عودة أيّام قرطاج الشعرية: نحو دورة تُعيد للشِّعر أمجاده

صالح سويسي

أعلنت وزارة الشؤون الثقافية منذ أيام عن عودة أيام قرطاج الشعرية في أفريل 2027، وعن تعيين الشاعر أحمد شاكر بن ضية، مدير بيت الشعر التونسي، مديرًا لدورتها الثالثة، وهو خبر لا يمكن إلا أن يكون محلّ ترحيب، فقد ظللنا سنواتٍ نذكّر سلطة الإشراف بضرورة عودة هذه التظاهرة مهما كانت الظروف.

ونحن إذ لم نتعوّد الجلوس على الربوة والاكتفاء بالفرجة، بل نسعى دائمًا لأن نكون مساهمين في كلّ فعل ثقافي نرى أنّ بوسعنا أن نضيف إليه.

وقد كتبنا في هذا الموضوع مرّات كثيرة، واقترحنا تصوّرات قابلة للتنفيذ بيُسرٍ وسلاسة، ونعيد اليوم تقديمها في صيغة منقّحة علّنا نُسهم ولو بقسط قليل في نجاح هذا المكسب.

وانطلاقا في ذلك نؤكد أن أيام قرطاج الشعرية مكسبٌ وطنيّ وملكٌ لكلّ من تعلّق بالشعر كتابةً ونقدًا وترجمةً ونشرًا ومتابعةً وإصغاءً، ولذلك وجب الحفاظ عليه وتطويره ودعمه بكل السبل الممكنة.

ولن نعود إلى الدورتين الأولى والثانية اللتين أدراتهم الشاعرة جميلة الماجري، فقد كتبنا عنهما ما يكفي، وإنّما نكتفي بتصوّرات نرجو أن تساهم في جعل الدورة الثالثة حدثًا وطنيًّا وعربيًّا وعالميًّا بامتياز.

فقط نُذكّر أن الدورة الأولى شارك فيها 240 شاعرا من تونس وحوالي 16 دولة عربية وأجنبية، فيما شارك في الدورة الثانية 104 شعراء منهم 32 شاعرا ضيفا.

وتستند هذه الورقة إلى متابعتنا للمشهد الأدبي بكلّ تفاصيله منذ أكثر من ثلاثة عقود، وإلى معرفتنا بكواليس عدد من المهرجانات والملتقيات الأدبية.

وقد رتّبناها في عدد من المحاور، يتضمّن كلٌّ منها مقترحات مُحدّدة.

الهيئة المديرة… الانفتاح سبيل النجاح

يبدو أنّ أوّل ما يجب الحديث عنه هو الهيئة المديرة التي ستشرف على الأيام إعدادًا وتنفيذًا، وحتى لا تتكرّر الأخطاء نفسها، نرى أن تكون أوسع، فتشمل عددًا أكبر من المبدعين في الشعر والنقد والترجمة والنشر والإعلام المتخصّص، إضافةً إلى مبدعين في مجالات تكنولوجية مختلفة.

ويحسن أن يكون ضمنها، ولو بصفة مستشارين، عدد من الشعراء الذين ينظّمون تظاهرات وطنية ودولية ناجحة رغم تواضع إمكانياتها المادية مثل الشاعرة راضية الشهايبي والشاعر عادل بوعقة والشاعر محمد نجيب الهاني على سبيل الذكر فقط، فلكلٍّ منهم تصوّره وعلاقاته وطريقته في تقديم الإضافة، ونحن على دراية بما تتطلّبه تلك التظاهرات من جدّية واقتدار.

أمّا الفريق الذي سيختاره مدير بيت الشعر ليرافقه في الإعداد والتنفيذ، فنأمل أن يضمّ شعراء ونقّادًا ومترجمين من غير الأسماء المتداولة التي تؤثّث جلّ التظاهرات الأدبية، فهناك من يعمل في صمت، بعيدًا عن الأضواء، وهو أولى بهذه الفرصة.

البرمجة والتسويق والانفتاح على الجهات

على مستوى البرمجة، لا بدّ من التفكير في أشكال جديدة لتسويق الشعر تواكب تطوّرات العالم، فالشعر لم يعد حبيس الفضاءات المغلقة التي زادت من نفور المتلقّي وجعلته يعزف عن حضور الفعاليات الأدبية عمومًا، والشعرية منها خصوصًا.

ولنا في عديد المهرجانات العالمية للشعر خير مثال، حيث أثبتت أنها تتطور وتتشكّل بما تمليه المرحلة.

وفي هذا السياق نقترح أن يكون الافتتاح خارج أسوار مدينة الثقافة، وبعيدًا عن العاصمة إن توفّرت ظروف إنجاحه، ولا شك أنّ مؤسسات العمل الثقافي في الجهات كفيلة بذلك، ففيها كفاءات تنظيمية يمكن التعويل عليها.

ويمكن أن يكون الموقع الأثري بسبيطلة مثلا، فضاءً رائعًا ومميّزًا لانطلاق الدورة الثالثة، لما يحمله من أبعاد تاريخية وحضارية وجمالية، علمًا أنّ الأمكنة في تونس كثيرة وليس المجال هنا لتعدادها.

ونقترح كذلك تنظيم جولات في عدد من جهات البلاد تجمع بين الفقرات الشعرية والزيارات السياحية لضيوف الأيّام، على أن يُفسَح فيها المجال لمبدعين شبّان ليقدّموا رؤيتهم لتلك الفعاليات تصوّرًا وإخراجًا، من خلال علاقة الشعر بالمسرح والسينما والفنون التشكيلية والفنون البصرية والتكنولوجيا وغيرها من التعبيرات التي تقرّب النص الشعري من المتلقّي.

ويمكن استثمار عدد من المواقع الأثرية والمتاحف والفضاءات السياحية، مثل بيلاريجيا بجندوبة، والقرية البربرية تكرونة بسوسة، ومغارات الهوّارية، وجزيرة قرقنة، وعنق الجمل بتوزر، ومَعبد المياه بزغوان، وغيرها من أرض تونس الساحرة.

وهي فرصة لجعل التظاهرة منصّةً لتسويق للسياحة الثقافية، بالتنسيق مع وزارة السياحة لضمان مردودية أفضل.

الشعر أوّلًا وأخيرًا

تأسّست أيام قرطاج الشعرية لتكون واجهةً تونسية للشعر عربيًّا وعالميًّا، ومن الضروري، إلى جانب الشعر الفصيح (العمودي والحرّ وقصيدة النثر) والشعر الشعبي، الانفتاح على تعبيرات أخرى، منها «الصلام» (Slam)، وهو فنّ يستهوي عددًا هامًّا من الشباب، وينبغي ألّا نكتفي بضيف واحد في هذا المجال، كما حدث في الدورة الثانية.

ونقترح لذلك تنظيم ورشتين ضمن برنامج الدورة الثالثة، الأولى لفن «الصلام» والثانية لكتابة أغاني الراب، بما أنه شكل فنّي ينتشر بين الشباب، بل حتى بين الأطفال، فضلًا عن ورشات في مسرحة الشعر، والشعر والسينما، وغيرها من التعبيرات.

كما نقترح تنظيم لقاء يجمع الشعراء والملحنين والموزعين يمكن تنسيقه مع إدارة أيام قرطاج الموسيقية، يكون فرصة للالتقاء والعمل على إنتاج أعمال غنائية تتبنّى تنفيذها وزارة الشؤون الثقافية.

ولئن كانت المقارنة مع مهرجانات دولية مشابهة لا تستقيم بحكم أسبقيّتها زمنيا وماديّا، إلا أننا يمكن أن نقف عند نقاط القوة التي جعلت منها مرجعا في تنظيم التظاهرات الشعرية على مستوى العالم، لنستلهم منها سُبل النجاح.

حيث نجد مهرجان «أمسيات ستروغا الشعرية» في مقدونيا الشمالية الذي انطلق سنة 1961 كفعالية وطنية، ثم تحوّل إلى تظاهرة ثقافية دولية، واستضاف نحو 4000 شاعر ومترجم وناقد من حوالي 95 بلدًا ومن أسباب إشعاعه جوائزه المتنوعة ومنها جائزة الإكليل الذهبي، و«مهرجان ميديلين العالمي للشعر» في كولومبيا وهو أيضا أحد أهم المهرجانات التي تُعنى بالشعر وانطلق سنة 1991 بدورة أثثها شعراء محلّيون ليصل عدد الشعراء المشاركين إلى المئات من عشرات الدول، وأطلق عام 2025 «جائزة فلسطين العالمية للشعر»، ومهرجان «روتردام العالمي للشعر» في هولندا الذي تأسس سنة 1970 وغيرها من التظاهرات الشعرية الكبرى التي تستقطب أعدادا كبيرة من الجماهير ومتابعة إعلامية هامة.

ولعلّ من أهم أسباب نجاح هذه المهرجانات هو الاستمرارية فبعضها تجاوز عمره نصف قرن، فضلا عن التمويل العمومي الثابت والذي يزداد مع زيادة إشعاع المهرجان بالإضافة إلى تنويع الشركاء.

شعراء الجهات… شركاء لا أرقام

شعراء الجهات ليسوا عجلةً خامسة ولا «بنك احتياط» ولا أرقامًا لتكملة المشهد، ويجب أن يُعامَلوا مثل نظرائهم المقيمين في العاصمة.

وقد جرت العادة في الدورتين السابقتين على تنظيم أمسيات في الجهات، وهو ما نراه يدخل في باب الترضيات، ولا يضيف إلى الأيّام شيئًا.

كما أنّ تجميع أعداد من شاعرات الجهات وشعرائها في أمسيات قليلة بالعاصمة لا يُتيح لهم وقتًا كافيًا ليُنشدوا ما تيسّر من نصوصهم ويقدّموا ولو فكرة وجيزة عن مُنجَزِهم، وهي في جوهرها فكرة كلاسيكية تبدو أقرب إلى “الأخذ بخاطر” الأصوات التي قد تُطالب بحقّها في الحضور ضمن البرنامج الرئيسي.

ونحن ندرك تماما أنّ دورة واحدة، مهما اِمتدّت أيّامها ولياليها، لا تستطيع أن تُستضيف كلّ الشاعرات والشعراء، ولذلك نقترح أن تُعلَن معايير واضحة لاختيار الضيوف، خاصةً وأنّ الدورة تنتظم بعد توقّف دام سنوات، وهو ما سيجعلها محلّ انتظار وكثيرٍ من الأسئلة ما يجعل المنظمين أمام مهمّة صعبة وتحدّيات كثيرة.

ويمكن أن تُُراعي هذه المعايير جودة المُنجز وتنوّعه، وتمثيل الأجيال والجهات والجنسين واللغات والتجارب.

ولا نظنّ أنّ مدير بيت الشعر التونسي سيحيد عن هذا النهج، فقد أشرك في فعاليات البيت أغلب شاعرات البلاد وشعرائها، وهو الشاعر والمسؤول الثقافي الذي يُحسَب له أنه متفتّح على كل التجارب الشعرية.

ونرى كذلك ضرورة تخصيص جزء هام من الفعاليات للشباب المبدع، الذي يمثّل مستقبل الشعر التونسي.

الضيوف الأجانب… تجارب جديدة

أمّا الاستضافات من خارج تونس، فنرجو أن نرى في هذه الدورة تجارب شعرية جديدة غير تلك التي تطوف في كلّ المهرجانات عربيًّا ودوليًّا، أي تلك الأسماء المكرَّسة والمكرّرة والتي أصبحت أشبه بالأصل التجاري الشعري في كل المهرجانات العربية والعالمية.

ولذلك اقترحنا أن تضمّ الهيئة المديرة شعراء (بلغات مختلفة) ونقّادًا ومترجمين وناشرين وإعلاميين مهتمّين بالشعر والأدب عمومًا، ضمانا لتتنوّع الاختيارات وتقديم إضافة حقيقية للتظاهرة.

الشعر والذكاء الاصطناعي

في خضمّ ما نعيشه يوميًّا من فتوحات تكنولوجية، نقترح تنظيم ندوة كبرى بعنوان «الشعر العربي والذكاء الاصطناعي».

ويمكن أن تدور الندوة حول ثلاثة محاور أساسية، الأول يبحث في كيفية استفادة الشعراء التونسيين والعرب من التطوّرات التكنولوجية في الكتابة والنشر والترويج، والثاني حول إمكانات الذكاء الاصطناعي والميديا الجديدة في إنتاج نص شعري يقطع مع الأشكال التقليدية ويحفر في أشكال جديدة، ومنها النصوص التفاعلية التي تجمع بين المتعة الحسّية والبصرية، أما المحور الثالث، فيطرح تحدّيات الحفاظ على خصوصيات النص الشعري العربي في عالم متغيّر باستمرار.

ونرجو أن تُمثّل هذه الندوة عنصر تميّز للدورة الثالثة، التي نُريدها دورة الإقلاع بالأيّام.

سياسة اتصالية ناجعة

حتى تضمن الدورة الثالثة اشعاعا إعلاميا محلّيا وعربيا وعالميا غير مسبوق وجب وضع خطة إعلامية واتصالية تتناغم وأهداف الأيّام.

لذلك نرى أن تضع الهيئة المديرة الجديدة في أوكد أولوياتها بعث مكتب إعلامي على مستوى عالٍ من الحرفية والكفاءة، يُسوّق للأيّام بطرق ذكية، ويجمع بين جودة التقارير وتوفير الصور ومقاطع الفيديو، والسرعة في الأداء والتواصل مع مختلف وسائل الإعلام داخل تونس وخارجها وبأكثر من لغة.

ويجب العمل على الجانب الرقمي بشكل كبير، بما يجعل التظاهرة حديث وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال مقاطع الفيديو القصيرة (Reels) والصور الموزّعة زمنيًّا بذكاء ودراية، مع تدعيم الموقع الرسمي للأيّام وصفحاتها بفريق عمل شاب.

ويمكن التفكير كذلك في إعداد تطبيقة خاصة بالأيام (Application) تُوسّع دائرة المتابعة، ومن التفاصيل التي يجب التفكير فيها جيدا توفير أرشيف رقمي لكل دورة يكون مرجعا للشعراء والنقاد والباحثين.

كما نقترح تخصيص جائزتين، الأولى لأفضل مواكبة إعلامية لطلبة معهد الصحافة وعلوم الإخبار، والثانية مفتوحة على جميع المحامل الإعلامية.

كما أنّ تخصيص جوائز مرتبطة بالكتابة والنشر أمر بالغ الأهمية في استمرار انتظام المهرجانات، هذا بالإضافة إلى الاعتماد على الطاقات الشابة والمساهمة في تكوين أجيال جديدة من الشعراء والمنظمين.

هذا بالإضافة إلى أن أغلب المهرجانات الناجحة هي التي توفّر أرشيفا رقميا ومنصّة بث خاصة بها مثل أرشيف مهرجان ميديين الذي يضم مئات الفيديوات بلغات متعددة وترجمة للغة الإسبانية.

ختامًا، نرجو النجاح لأيّام قرطاج الشعرية أولًا وأخيرًا، ونأمل أن نكون قد أسهمنا، بما قدّمناه من أفكار وتصوّرات، في إضافة شيء إلى هذه التظاهرة.

شارك رأيك

Your email address will not be published.