ليثيوم شطّ الجريد: أيّ سياسات مالية وبيئية لتحويل الإمكانيات الطبيعية إلى تنمية مستدامة؟


بقلم فاطمة الغول / باحثة في سياسات الدولة: السياسات المالية والاقتصاد الدائري وخبيرة في دبلوماسية المناخالباحثة فاطمة الغول

يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً بنيوياً نحو منظومات طاقية منخفضة الكربون، وقد أعاد هذا التحول تشكيل خريطة الطلب على المعادن، فقد بات الليثيوم، بوصفه مكوّناً أساسياً في بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة المتجددة، من أكثر المواد الأولية أهمية من الناحية الاستراتيجية، وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب على الليثيوم مرشح لتسجيل أعلى نسب النمو ضمن المعادن المرتبطة بالانتقال الطاقي (IEA, 2021).


في هذا السياق، أعادت دراسة نشرها Lithium enrichment in a hypersaline brine: A genetic model and resource assessment for Chott El Jerid, Tunisia
الباحثون: Hassan Khlissa، Elhoucine Essefi، Bart Van der Bruggen
المجلة: Journal of African Earth Sciencesالمجلد 241، سبتمبر 2026، المقال رقم 106193.
في مجلة “Journal of African Earth Sciences” طرح مسألة الإمكانات المعدنية غير التقليدية في تونس. فقد قدّرت الدراسة حجم المحلول الملحي في شط الجريد بنحو خمسة مليارات متر مكعب، بمتوسط تركيز لليثيوم يبلغ 28.5 جزءاً في المليون، أي ما يعادل نحو 142,500 طن، بقيمة تقديرية في حدود 2.2 مليار دولار.
وقد تلقّى الفضاء العام هذه الأرقام بقراءة مرحبة تراها حلاً محتملاً لأزمة المالية العمومية.
غير أنّ أهمية هذه المعطيات لا تكمن، في تقديري، في الرقم المالي المتداول وحده، بل في الأسئلة التي تطرحها على السياسات العمومية التونسية: كيف نقيّم مورداً طبيعياً محتملاً قبل إدراجه في حسابات التنمية؟ وما الشروط التي تجعل استغلاله، إذا ثبتت جدواه، منسجماً مع الأمن المائي والعدالة البيئية والإنصاف بين الجهات والأجيال؟
من المهمّ، بدايةً، التمييز بين الكمية النظرية الموجودة في المحاليل الملحية والكمية القابلة للاستخراج فعلياً. فالتقدير المتداول البالغ 142.5 ألف طن ينسجم حسابياً مع الحجم والتركيز المذكورين، على أساس التعامل مع التركيز بوحدة تقارب 28.5 ملغ في اللتر. لكنه يظلّ رهين دقة تقدير حجم المحاليل ومدى تمثيل العينات لمختلف مناطق الشطّ وأعماقه. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود احتياطي قابل للاستغلال التجاري؛ إذ يتطلب إثبات الجدوى معطيات إضافية حول خصائص المورد وتوزّعه، ونسب الاستخلاص الممكنة، وكلفة المعالجة، والآثار البيئية.
أمّا القيمة المتداولة البالغة 2.2 مليار دولار، فينبغي التعامل معها بحذر أكبر. فهي ليست مبلغاً جاهزاً للدخول إلى خزينة الدولة، ولا يمكن تقييمها بصورة دقيقة من دون معرفة السعر المرجعي المعتمد، وما إذا كان الحساب يتعلق بالليثيوم العنصري أم بما يعادله من كربونات الليثيوم، إضافة إلى نسب الاستخلاص المفترضة. وحتى إذا صحّ التقدير وفق فرضيات محددة، فإنّ القيمة الإجمالية النظرية تختلف عن العائد الصافي للدولة بعد احتساب الاستثمار والتشغيل والمعالجة والنقل والالتزامات البيئية.
وبناءً عليه، فإن تحويل المورد إلى قيمة اقتصادية فعلية يظل مشروطاً بدراسات جدوى مفصّلة تشمل الحفر الاستكشافي، وتحديد المناطق ذات التركيز الأعلى، وتقييم نسب الاسترجاع وبناءً عليه، فإن تحويل المورد إلى قيمة اقتصادية فعلية يظل مشروطاً بدراسات جدوى مفصّلة تشمل الحفر الاستكشافي، وتحديد المناطق ذات التركيز الأعلى، وتقييم نسب الاسترجاع
من زاوية السياسات المالية، يدعونا هذا المثال إلى تجاوز مقاربة تعتبر الموارد الطبيعية حلاً سريعاً لاختلالات المالية العمومية. فالموارد المحتملة لا ينبغي أن تتحول إلى وعود مالية قبل استكمال التقييم العلمي والاقتصادي. والأجدر بالدولة أن تبني قراراتها، عند توفر المعطيات، على سيناريوهات متعددة تأخذ بعين الاعتبار تقلب الأسعار العالمية، وتكاليف الإنتاج، والقدرة التفاوضية للدولة، وحجم المنافع التي يمكن أن تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وإذا أثبتت الدراسات لاحقاً جدوى الاستغلال، فإن تصميم النظام الجبائي والتعاقدي سيكون مسألة حاسمة. فالمطلوب ليس فقط تحديد ما ستدفعه الشركات من ضرائب أو إتاوات، بل أيضاً ضمان شفافية التراخيص والعقود، والإفصاح عن العائدات، وتحديد المسؤوليات المتعلقة بمعالجة الأضرار المحتملة وإعادة تأهيل المواقع. كما يمكن النظر في تخصيص جزء من العائدات، ضمن إطار قانوني ومؤسساتي واضح، لتمويل مشاريع المياه والطاقة المتجددة والتكيّف المناخي والتنمية المحلية. لكن إنشاء صندوق أو آلية مالية مخصّصة لا يكفي في حد ذاته؛ ففاعليتها ترتبط بالرقابة المستقلة، ووضوح قواعد التصرف، وربط الإنفاق بحاجيات فعلية قابلة للقياس.
تُقدّم التجربة التاريخية للحوض المنجمي بقفصة درساً بنيوياً في الاقتصاد السياسي للموارد’ إذ أثبتت بوضوح أنّ الوفرة التعدينية لا تُترجم آلياً إلى تنمية محلية منصفة، بل أسّست لنموذج استخراجي كرّس مفارقة الوفرة عبر استنزاف بيئي حاد وتهميش مجالي رافقهما احتقان اجتماعي مزمن، دون أن تلمس الجهة عائداً تنموياً يوازي حجم التضحيات الإيكولوجية.
وتفادياً لإعادة إنتاج هذا النموذج مع الموارد المستقبلية كالليثيوم، تصبح المراجعة الجذرية للمنظومة القانونية والمالية ضرورة حتمية، تبدأ بتحيين هيكلي لمجلة المناجم (القانون عدد 30 لسنة 2003) لملاءمتها مع الطبيعة الاستراتيجية للمعادن الحرجة، وفرض صيغ تعاقدية جديدة تقوم على الشراكات التكنولوجية المشروطة بنقل المعرفة وتوطين القيمة المضافة. ويتكامل هذا الإصلاح مع إعادة هندسة النظام الجبائي عبر اعتماد إتاوات مرنة ومتدرجة تواكب تقلبات البورصات العالمية، بما يضمن للدولة حصة منصفة من الأرباح غير المتوقعة في فترات الطفرة السعرية دون المساس بتوازن الاستثمار.
كما تقتضي حوكمة المالية العمومية تحصين هذه المداخيل من الاستنزاف في نفقات التصرف الجارية أو سد عجز الميزانية، من خلال إرساء آلية مالية مخصصة في شكل صندوق للانتقال الطاقي والعدالة المجالية، تُوجّه موارده حكماً لتطوير البنية التحتية للأمن المائي والطاقات المتجددة وتأهيل المنظومات الواحية المتضررة. وتتويجاً لهذا البناء، يظل تكريس الشفافية المطلقة في إسناد التراخيص ونشر العقود والتدفقات المالية ركيزة الحوكمة الرشيدة، بما يجسد المبدأ الدستوري في سيادة الشعب على موارده، ويضمن تحويل الثروة الكامنة إلى أصل تنموي مستدام للأجيال القادمة.
في المقابل، لا يمكن فصل النقاش المالي عن خصوصية شطّ الجريد ومحيطه البيئي والواحي. فالمنطقة تقع ضمن مجال يتسم بهشاشة الموارد المائية وتداخل الاستعمالات البيئية والاقتصادية والاجتماعية للمياه. ومن ثمّ، لا يجوز تقييم أي مشروع لاستخلاص الليثيوم على أساس مردوديته التجارية وحدها، بل يجب أن يشمل التقييم أثره المحتمل في المحاليل الملحية والموائد المائية والواحات والتنوع البيولوجي وسبل عيش السكان.
ويكتسي هذا الشرط أهمية إضافية لأن التركيز المتداول لليثيوم، إذا تأكد، يبدو منخفضاً نسبياً. وقد يستدعي ذلك معالجة كميات كبيرة من المحاليل للوصول إلى إنتاج تجاري، مع ما يطرحه الأمر من أسئلة بشأن استهلاك الطاقة والمياه والمواد الكيميائية والتصرف في النفايات. وتُطرح تقنيات الاستخلاص المباشر لليثيوم بوصفها أحد الخيارات الممكنة، لكن لا يصحّ اعتبارها حلاً مضموناً أو خالياً من الأثر البيئي. فنجاعتها ترتبط بخصائص المحلول والتكنولوجيا المستخدمة والظروف المحلية، وتحتاج إلى اختبارات ميدانية وتقييم مستقل قبل اعتمادها.
ومن منظور الاقتصاد الدائري، لا يتمثل الرهان في إعادة استعمال المياه أو تثمين بعض المواد المصاحبة فحسب، بل في إعادة التفكير في كامل دورة المشروع: من تصميمه واستهلاك موارده، إلى معالجة مخلفاته وإعادة تأهيل الموقع بعد انتهاء النشاط. وينبغي أن تُدرس إمكانات إعادة تدوير المياه أو إعادة حقن المحاليل على أساس علمي، لا باعتبارها إجراءات آلية وآمنة في جميع الحالات؛ فقد تختلف آثارها باختلاف الخصائص الهيدروجيولوجية للمنطقة. كما أن تطوير أنشطة جمع البطاريات المستعملة وإعادة تدويرها يمكن أن يشكل، بصورة مستقلة عن مشروع شطّ الجريد، جزءاً من رؤية وطنية أوسع لتقليص الهدر وتعزيز القيمة المضافة.
وفي مستوى دبلوماسية المناخ، يضعنا هذا النقاش أمام تحوّل في العلاقات الاقتصادية الدولية، حيث أصبحت المعادن المرتبطة بالانتقال الطاقي محوراً للتنافس والشراكات. ومن مصلحة تونس، إذا تأكدت إمكاناتها، أن تتعامل مع هذا التحول من موقع تفاوضي يستند إلى المعرفة العلمية والمصلحة العامة. فالشراكة العادلة لا تُقاس بحجم الاستثمار المعلن وحده، بل كذلك بمدى مساهمتها في نقل المعرفة، وتكوين الكفاءات التونسية، وتطوير البحث، وخلق قيمة مضافة محلية، واحترام المعايير البيئية والاجتماعية.
لكن هذه المطالب تحتاج بدورها إلى تقييم واقعي. فالتصنيع المحلي، مثلاً، ليس هدفاً يتحقق بمجرد إدراجه في عقد؛ بل يتطلب توفر الطاقة والبنية التحتية والكفاءات والأسواق، فضلاً عن جدواه الاقتصادية مقارنة بالبدائل. لذلك أرى أن قوة التفاوض تبدأ ببناء قدرة وطنية مستقلة على تقييم المشاريع، لا بالاكتفاء بالمفاضلة بين عروض المستثمرين.
وتظلّ مشاركة السكان والفاعلين المحليين عنصراً أساسياً في أي مسار مستقبلي. فلا معنى للحديث عن انتقال عادل إذا ظلت المجتمعات المعنية بعيدة عن المعلومات والقرارات، أو إذا تحمّلت الأعباء البيئية دون نصيب من المنافع التنموية. وتقتضي الحوكمة الرشيدة نشر الدراسات والمعطيات غير السرية، وفتح نقاش عمومي حول المخاطر والبدائل، وضمان مشاركة فعلية للجهات المعنية قبل اتخاذ القرارات النهائية.
إنّ ما يطرحه ملف الليثيوم في شطّ الجريد يتجاوز، في النهاية، حدود خبر عن مورد طبيعي محتمل. فهو يختبر قدرة الدولة على وصل المعرفة العلمية بالقرار العمومي، وربط السياسة المالية بحماية البيئة والعدالة الجهوية. وقد يكون المورد فرصة تستحق الدراسة، لكن تحويل الإمكانات إلى منفعة عامة يظلّ مشروطاً بثبوت الجدوى، وحماية المياه والأنظمة البيئية، وشفافية التعاقد، وتوزيع عادل للمنافع.
فالانتقال الطاقي الذي نحتاجه ليس انتقالاً يستبدل ضغوطاً بيئية بأخرى، ولا نموذجاً يقوم على تصدير المواد الخام دون بناء قدرات وطنية. إنما هو مسار تنموي يضع الإنسان والماء والمعرفة في قلب القرار، ويحفظ حق الأجيال القادمة في موارد سليمة وفرص عادلة.
——————–
المراجع

  • Khelissa, H., Es-Safi, E. H., & Van den Brugghen, B. Journal of African Earth Sciences.
  • International Energy Agency (IEA). (2021). *The Role of Critical Minerals in Clean Energy Transitions. Paris: IEA.
  • European Union. (2024). Regulation (EU) 2024/1252 establishing a framework for ensuring a secure and sustainable supply of critical raw materials.
    الجمهورية التونسية. القانون عدد 30 لسنة 2003 المؤرخ في 28 أفريل 2003 المتعلق بإصدار مجلة المناجم.
    Ramsar Convention Secretariat

شارك رأيك

Your email address will not be published.