festival national du Théâtre tunisien

 بين ذاكرة المسرح التونسي وأسئلته الراهنة وآفاقه المستقبلية، افتتح المهرجان الوطني للمسرح التونسي “مواسم الإبداع” مساء أمس الجمعة بقاعة الفن الرابع بالعاصمة، دورته الرابعة بحفل جمع كوكبة من أهل الفن الرابع والثقافة والإعلام، وتخللته وصلات غنائية للفنانة نسرين جابر، قبل أن يكون الموعد مع مسرحية “المجنون” للمسرحي توفيق الجبالي، الذي اختار المهرجان تكريمه إلى جانب الفنان محمد إدريس، وذلك تقديرا لمسيرتيهما وإسهاماتهما في المسرح التونسي.

وكان التكريم أحد أبرز محطات سهرة الافتتاح، إذ احتفى المهرجان بتجربتين مسرحيتين تنتميان إلى الجيل نفسه، أسهمتا كل من موقعه في تشكيل ملامح الممارسة المسرحية التونسية وتطويرها. وحضر أفراد عائلة محمد إدريس لتقاسم لحظة الاحتفاء بمسيرته، فيما تزامن تكريم الجبالي مع تقديم عمله “المجنون” الذي افتتح به العروض المسرحية بالعاصمة.

ولم يكن استحضار هاتين التجربتين منفصلا عن الرؤية التي يقوم عليها المهرجان، باعتبار الذاكرة المسرحية أحد المداخل الأساسية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وهو ما شدد عليه المدير العام للمسرح الوطني التونسي ومدير المهرجان الدكتور معز المرابط، في كلمته خلال الحفل، مؤكدا أن المسرح التونسي يعتز بتاريخه ورموزه وبالتجارب التي أسهمت في إشعاع الفن الرابع، وأن “مواسم الإبداع” تحرص على جعل الاحتفاء بهذه الذاكرة جزءا من مشروعها الثقافي.

واعتبر المرابط أن المهرجان لا يختزل في تنظيم موعد سنوي للعروض بقدر ما يمثل مشروعا ثقافيا متواصلا يطمح إلى توسيع آفاق المسرح التونسي وتدعيم حضوره وترسيخ علاقته بجمهوره في مختلف جهات البلاد. فاستمرارية العمل الثقافي، وفق تصوره، لا تعني المحافظة على موعد قار فحسب وإنما تقتضي بناء مسارات جديدة للتواصل وتوسيع فضاءات اللقاء بين المسرحيين والجمهور.

وفي هذا السياق، توقف عند المسار الذي قطعه المهرجان منذ انطلاقه، مشيرا إلى نجاحه في إرساء ملتقى الجنوب للمسرح بتوزر، وتوجهه خلال هذه الدورة إلى القيروان بالشراكة مع مركز الفنون الدرامية والركحية بالجهة، لتأسيس ملتقى الوسط للمسرح، قبل انتقال فعالياته إلى العاصمة.

وبيّن أن هذه التوجهات تستند إلى رؤية تجعل من “مواسم الإبداع” منصة تجمع المسرحيين من مختلف أنحاء الجمهورية، وتتيح الالتقاء بين اختلاف الرؤى والتصورات والتقنيات، بما يجعل المهرجان مناسبة لاستعراض تنوع التجارب والمدارس المسرحية التونسية وليس مجرد فضاء للاحتفاء بالفرجة.

ولم تغب التحولات التكنولوجية عن هذه الرؤية، إذ أشار المرابط إلى الندوة التي احتضنتها القيروان حول التكوين المسرحي في عصر الذكاء الاصطناعي، باعتبارها دليلا على حرص المهرجان على مواكبة القضايا التي تشغل الإنسانية وتؤثر في مختلف مجالات الحياة. واعتبر أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة يمكن الاستفادة من إمكاناتها في مجال فن الفرجة، مع ضرورة المحافظة على جوهر المسرح القائم على الإبداع الحي وعلى قدرته في التعبير عن القضايا الإنسانية.

كما خصّص حيزا من كلمته لفقرة “أغورا المواسم” التي تتناول في هذه الدورة واقع الفضاءات المسرحية الخاصة في تونس وما تواجهه من إشكاليات تتصل بالاستمرارية والإنتاج والعرض، مبرزا أهمية فتح النقاش حول هذه المسائل وتبادل التجارب والرؤى بشأنها.

وفي ختام كلمته، توجه المرابط بالشكر إلى وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي على دعمها للمهرجان وإيمانها بمشروع “مواسم الإبداع” كما نوه بمساهمة إدارة الفنون الركحية والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بالقيروان والشركاء في تنظيم هذه الدورة.

ومن أجواء التكريم واستعادة الذاكرة، ينتقل المهرجان إلى الاحتفاء بالتجارب المسرحية الراهنة، من خلال المسابقة الرسمية التي تتواصل عروضها من 31 أكتوبر إلى 6 نوفمبر، بمشاركة 14 عملا مسرحيا تتوزع على قاعة الفن الرابع وفضاء التياترو، بمعدل عرضين يوميا وتتبعها نقاشات بين الجمهور والمسرحيين حول الخيارات الفنية والجوانب الإبداعية للأعمال المشاركة.

وتضم قائمة العروض “الصباط” لمنير العرقي و”حواس” لزهير عروم و”هاملت كوميديا الموت” لخبيب العياري و”الإنساوان” لمحمد كواص و”الموت” للأزهر الفرحاني و”سراب” لحافظ خليفة و”جرس” لعاصم بالتوهامي و”بضع ثواني” لحمزة الورتتاني و”هوما” لسيرين قنون و”ليلة خريف” لمحمد البرهومي و”بروفة” لوليد الدغسني و”هروب” لمحمد بركاتي و”نومة” لدليلة مفتاحي، و”3. نهج فلسطين” لمروان ميساوي.

وتتنافس هذه الأعمال على جوائز الإخراج والنص المسرحي والسينوغرافيا والأداء التمثيلي للنساء والرجال، بقيمة 10 آلاف دينار لكل جائزة، إلى جانب الجائزة الكبرى للإبداع المسرحي التونسي وقيمتها 30 ألف دينار.

وبالتوازي مع المسابقة، يواصل المهرجان اهتمامه بالجانب التكويني من خلال ثلاث ورشات “ماستر كلاس” انطلقت أمس الجمعة بقاعة الفن الرابع، بالشراكة مع المدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت، وتشمل التصوير الفوتوغرافي المسرحي بإشراف محمد العايب، والفيديو المسرحي بتأطير نضال قيقة، والمقال النقدي المسرحي بإشراف فوزية المزي. وتتوج هذه الورشات بثلاث جوائز تشجيعية، قيمة كل منها 1500 دينار.

أما فقرة “أغورا المواسم”، فتفتح المجال أمام المسرحيين لمناقشة واقع الفضاءات المسرحية الخاصة والتحديات التي تواجهها، وذلك بهدف تبادل الخبرات وصياغة توصيات عملية يمكن أن تمهد لإعداد ورقة عمل بشأن سبل تطوير هذه الفضاءات وتدعيم حضورها ضمن المشهد المسرحي التونسي.

وتختتم الدورة الرابعة يوم 7 نوفمبر القادم بالعرض الأول لمسرحية “تشايكا” عن “النورس” لأنطون تشيخوف، من دراماتورجيا وسينوغرافيا وإخراج معز المرابط وإنتاج المسرح الوطني التونسي.

ويُنتظم المهرجان المسرح الوطني التونسي تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، بالشراكة مع مركز الفنون الدرامية والركحية بالقيروان والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بالقيروان والمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما بقمرت.

شارك رأيك

Your email address will not be published.