الولايات المتحدة : مليارات إيلون ماسك فى مهب الرياح النصفية…

فى العهد الفكتوري، كان “اللوبي” كلمة تحيلك فوراً إلى بدلات كلاسيكية داكنة، ثم انتقلت فيما بعد الى قبعات تُرفع في أروقة واشنطن، وحقائب دبلوماسية تفوح منها رائحة النفط الخليجي، أو كواليس لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك Aipac) لرسم خطوط السياسة الخارجية. لكن، يا لبساطة الماضي! اليوم، أُحيلت تلك اللوبيات التقليدية إلى التقاعد المبكر: مرحباً بكم في عصر “لوبي أباطرة السليكون”، التكتل الأكبر والأشرس على الإطلاق في تاريخ “الديمقراطية الأمريكية”، حيث لا تُقاس القوة بالدبلوماسية، بل بـ “الخوارزميات” وعدد المليارات المخزنة في السحاب.

محجوب لطفى بلهادى * 

على رأس هذا الميغا-سيرك الرقمي، يقف إيلون ماسك ك “دون كيشوت” العصر الحديث، لكن برأسمال مرعب. تخيلوا معي، الرجل قدّم نصف مليار دولار لدعم حملة الحزب الجمهوري فى الانتخابات النصفية. نصف مليار! هذا ليس تبرعاً سياسياً، بل أشبه بشراء “اشتراك بريميوم” في إدارة دولة عظمى، مع ميزة “إلغاء الإعلانات المزعجة” (ونعني بالإعلانات هنا تحديدا القوانين والضرائب) حيث تحولت مليارات ماسك إلى وقود نفاث لآلة انتخابية، ليتضح أن المبادئ الديمقراطية في واشنطن لم تعد تُباع بالتقسيط المريح، بل بالجملة، وبخصم خاص لـ “أباطرة التكنولوجيا”.

ولكن، ما الذي يمكن أن يشتريه نصف مليار دولار في سوق السياسة الأمريكية؟ الإجابة البسيطة : الاستفادة القصوى من تشريعات الجمهوريين، وتحديداً إدارة ترامب، الداعمة “للذكاء الاصطناعي الخارق” المعادى تماما للخصوصية. 

مليارات “أباطرة السليكون” و الديمقراطية الأمريكية

نعم، لقد وُلد مفهوم جديد للحرية، حرية البيانات في أن تُسرق، وحرية الشركات في أن تتلصص عليك لتعرف ماذا ستأكل غداً قبل أن تقرر أنت نفسك! التشريعات الجديدة تم تفصيلها بدقة لتلائم مقاس خوارزمياتهم، حيث أصبحت “الخصوصية” مجرد رفاهية قديمة تشبه رسائل بريد الحمام الزاجل، “فالذكاء الاصطناعي السليكونى” يتحرك اليوم بغطاء سياسي كامل، يلتهم البيانات، ويهدم أسوار الحياة الشخصية، وكل ذلك تحت شعار “دعم الابتكار الأمريكي”.

ولأن هذه الإمبراطورية الرقمية تحتاج إلى جسد مادي مرعب، كان لا بد من حماية “المعبد”، وهنا يظهر النجاح الأكبر لهذا اللوبي، ففي كونغرس ما قبل الانتخابات النصفية الأخيرة ذي الأغلبية الجمهورية، نجح هؤلاء الأباطرة نجاحاً باهراً في إبعاد مسألة مراكز البيانات (Data Centers) عن أي رقابة أو محاسبة ( في هذا الخصوص يمكنكم الاطلاع على مؤلفى الرقمى : Data Centers : les Nouvelles Cathédrales du XXI siècle)، تلك المراكز العملاقة التي تلتهم طاقة المدن وتنفث ضجيجاً لا يتوقف، أصبحت كابوساً حقيقياً للسكان المحيطين بها في العديد من الولايات حيث التلوث السمعي يثقب الآذان، واهتزازات مستمرة، وتدمير للبيئة المحلية. 

لكن ماذا كان رد الكونغرس أنذاك ؟ لقد نظر النواب إلى الجانب الآخر، وغضوا الطرف تماماً، وكأن تلك المراكز تصدر السنفونية التاسعة لبيتهوفن وليست ضوضاء صناعية قاتلة. لقد نجح اللوبي في إقناع المشرّعين بأن أنين المواطن خلف جدران بيته أقل أهمية بكثير من طنين المبردات التي تحمي خوادم المليارديرات…

فبينما كان يحتفل “أباطرة السليكون” بانتصاراتهم في أروقة واشنطن عبر استعراض قدراتهم الخوارزمية الخارقة على الجميع، ينمو في الكواليس جيل جديد من الديمقراطيين التقدميين، جيل لا يبهره بريق الشاشات ولا تخيفه أرقام الحسابات البنكية الفلكية. هؤلاء التقدميون الشباب، المسلحون براديكالية تشريعية وثقافة رقمية احتجاجية، بدأوا بالفعل في إلقاء العصي في تروس هذه الآلة الجهنمية.  قد لا يملكون صواريخ فضائية أو منصات تواصل للتلاعب بالرأي العام، لكنهم يملكون القدرة على صياغة “أكواد قوانين مضادة” قادرة على تعطيل خوادم وادي السليكون السياسية، ولو لحين. 

فلنترقب ونرى، هل تنجح طاقة هؤلاء الشباب في كبح جماح الآلة، أم أن المليارات ستجد دائماً ثغرة أمنية للالتفاف مرة أخرى على “الديمقراطية الأمريكية” ؟

* خبير استراتيجيات الذكاء الاصطناعي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.