اعلام/ تونس، 21 أفريل 2026
تنظر المحكمة الإبتدائية بتونس، يوم 11 ماي 2026، في طلب تقدّمت به رئاسة الحكومة يقضي بحلّ جمعية “الخط”.
تأسست جمعية “الخط” في ديسمبر 2013 في إطار المرسوم عدد 88 لسنة 2011، وعلى امتداد اثني عشر عامًا، اشتغلت في مجالات ذات مصلحة عامة، معتمدة جزئيًا على تمويلات مصرّح بها وخاضعة بانتظام لعمليات تدقيق سنوية ودورية.
توزّعت أنشطة الجمعية على عدّة مسارات. فمن خلال مشروع “جريدتي”، الذي يتواصل منذ عشر سنوات، عملت على مرافقة دور الشباب في مجال التربية على وسائل الإعلام، مساهمةً في ترسيخ قراءة نقدية للمعلومة لدى الناشئة. كما تقدّم برامج دعم ومرافقة لفائدة جمعيات ناشطة في مختلف الجهات. وفي مجال الإعلام، تواكب “الخط” هيئات تحرير مستقلة، سعيًا إلى تعزيز صحافة جادة ومستقلة، إلى جانب إشرافها منذ 2014 على منصة “إنكفاضة” كمنصة إعلام استقصائية.
منذ أواخر سنة 2023، وجدت الجمعية نفسها في مواجهة سلسلة متصاعدة وممنهجة من الإجراءات البنكية والإدارية والقضائية.
تعاملنا مع هذه الضغوطات في كل مراحلها إلتزم بالأطر القانونية والمؤسساتية، عبر تقديم كل الوثائق المطلوبة، وتوضيح المعطيات، وممارسة حقوقنا في الطعن كلما اقتضى الأمر.
منطلقنا في خضم هذا المسار المتراكم والمتواصل، كان قناعتنا الراسخة بسلامة وضعيتنا وإحترامنا التام وغير المشروط للقانون.
إلا أن ما نشهده اليوم تجاوز بأشواط منطق التثبت أو الرقابة. فقد إنحرفت الإجراءات عن غايتها الحقيقية.
هذه الإجراءات لم تعد تهدف إلى التحقق من مدى الامتثال، بل إتجهت نحو إستنفاد الجمعية وصولًا إلى إنهائها. إذ أدى تعطيل الموارد المالية لفترات طويلة إلى شلّ قدرتها على العمل، فيما تستنزف كثافة الطلبات والإجراءات طاقاتها بشكل متواصل.
وقد انعكست هذه الأوضاع أولًا على فريق العمل على مستوى حقوقه الإجتماعية والإقتصادية، إذ أصبحت الأجور تُصرف بتأخير، وتراجعت الامتيازات الاجتماعية، وتدهورت ظروف العمل تدريجيًا، سواء بالنسبة لإطارات الجمعية أو لصحفيي·ات “إنكفاضة”، رغم مواصلة أداء مهامهم·ن.
كما تعرّضت التحويلات المالية التي تتلقاها الجمعية، سواء في إطار تمويل مشاريع أو أداء خدمات، إلى تعطيلات متكررة داخل البنوك دون مستند قانوني وإجرائي واضح. ورغم كون هذه التحويلات موثقة ومصرّح بها، فقد امتدت آجال حجزها من أسابيع إلى أشهر، لتبلغ في بعض الحالات سبعة أشهر. وقد برّرت البنوك ذلك بتعليمات صادرة عن جهات رقابية، دون تقديم سند كتابي. ورغم مراسلة البنك المركزي التونسي لطلب التوضيح، لم نتلقَّ أي ردّ.
كما تم منذ ربيع 2025، ربط الإفراج عن بعض الأموال بتوقيع تعهّد بالتخلي عن حق التقاضي، وهو شرط يطرح إشكالات جدية.
على المستوى الإداري، وجّهت رئاسة الحكومة في ديسمبر 2024 تنبيهًا يقضي بمدّها بجميع الوثائق المنصوص عليها في المرسوم 88، وقد تمّ الاستجابة لذلك كاملًا في جانفي 2025.
في أكتوبر 2025، صدر قرار بتعليق نشاط الجمعية لمدة شهر، استنادًا إلى مسألة تتعلق بالتصريح بتحويل أجنبي، رغم تقديم ما يثبت احترام الآجال القانونية. وقد تم الطعن في القرار استعجاليًا، لكن القضية انتهت دون البت في الأصل بسبب تنفيذ القرار.
في جانفي 2026، تم استدعاء الجمعية أمام فرقة الجرائم المالية المتشعبة في إطار تحقيق يشمل مختلف تمويلاتها الأجنبية. وقد تمّ طلب وتسليم كافة الوثائق المتعلقة بأنشطتها وتمويلاتها منذ التأسيس.
تأتي هذه التطورات ضمن سياق أوسع يشهد تضييقًا متزايدًا على الفاعلين في الفضاء العام، من جمعيات ونقابات ووسائل إعلام مستقلة، عبر تعدد التحقيقات والإجراءات وحملات التشكيك.
إن ما يتجاوز وضعية “الخط” اليوم هو مستقبل الفضاء المدني في تونس برمته، ومدى قدرة مكوناته على العمل والتنظم والتعبير بحرية وكرامة. وهي حقوق أساسية لا يكفلها القانون ويضمنها الدستور فحسب، بل يهددها المسار القائم بشكل مباشر وصريح.
ستمثل الخط أمام المحكمة يوم 11 ماي 2026. وستواصل الجمعية، مهما كانت المراحل القادمة، ممارسة الحق الذي يكفله لها القانون في أداء رسالتها وخدمة الأهداف التي تسعى إليها منذ اثنتي عشرة سنة.




شارك رأيك