اتحاد الشغل : حين تتعثر “الخيمة” في حبال البيروقراطية

مقال حول ضرورة مراجعة التموقع الوظيفي للمنظمة الشغيلة في تونس، والانتقال بها من مربع “الجمود البيروقراطي” إلى مربع “النجاعة التقنية”، بما ينسجم مع استحقاقات السيادة الوطنية ومتطلبات بناء الدولة الحديثة في أفق سنة 2026.

عبد الوهاب بن موسى *

في أروقة ساحة محمد علي، لا يزال صدى الهتافات القديمة يتردد، لكنه اليوم يرتطم بجدران واقع تونسي جديد لم يعد يكتفي بالشعارات. المشكلة في الاتحاد العام التونسي للشغل اليوم ليست مجرد صدام مع السلطة أو “إقصاء” كما يحلو للبيروقراطية النقابية تصويره؛ بل هي أعمق من ذلك بكثير. إنها قصة منظمة عريقة ترفض أخذ علم بأن ساعة التحديث قد دقت، وأن العالم من حولها قد انتقل من منطق المحاصصة إلى منطق السيادة والنجاعة.

مأزق الانسداد الهيكلي

عندما نتأمل في الخطاب النقابي الحالي، نجد نفساً يتيماً يحاول استحضار شرعية تاريخية في سوق لم تعد تتعامل إلا بالنتائج. فبينما تخوض تونس معركة الوجود من أجل سيادتها الرقمية، وتطهير إدارتها، وعصرنة قطاعاتها الحيوية مثل البنوك والطاقة، تكتفي القيادة النقابية ببيانات خشبية تلوك مفردات الصراع السياسي، متجاهلة أن الطبقة الشغيلة الحقيقية — من مهندسين وتقنيين وإطارات — أصبحت تعيش في كوكب آخر. هؤلاء الشباب لا يبحثون عن زعيم سياسي، بل يبحثون عن نقابة ذكية تضمن حقوقهم من خلال تطوير قدراتهم وانخراطهم في مشروع الدولة السيادي.

إن المأزق الحقيقي هو هذا الانسداد الهيكلي؛ حصن بيروقراطي يخشى سلطة المعرفة. فالإصلاح من الداخل يبدو اليوم كأنه محاولة لاختراق جدار من الإسمنت المسلح بالولاءات القديمة. ومع ذلك، يلوح في الأفق حصان طروادة تقني، تقوده القواعد العمالية الشابة التي سئمت دور “الحطب” في معارك لا تخدم إلا بقاء الكراسي. هؤلاء الشباب، الذين يتقنون لغة الأرقام والبيانات، هم وحدهم القادرون على فرض “الذكاء النقابي” كبديل عن الجمود البيروقراطي.

فتح أبواب الاتحاد لهواء العصر

السيادة الوطنية ليست مجرد كلمة تُقال في الخطب، بل هي ممارسة يومية تبدأ من نجاعة المرفق العام وقوة الاقتراح الفني. والاتحاد أمام خيارين لا ثالث لهما : إما أن يتحول إلى “مخبر فكري” (Think Tank) يسند الدولة في معارك التحديث ويحمي العمال بالمعرفة والإنتاجية، أو أن يظل “دولة داخل الدولة” ترفض التكيف حتى يلفظها السياق.

لقد انتهى زمن “الكرسي الشاغر” وهروب القيادات نحو الأمام. الاصطفاف المطلوب اليوم ليس مع شخص أو جهة، بل مع منطق الدولة الذي يفرض أن تكون المنظمات الوطنية قاطرات للبناء لا كوابح للتغيير.

البيروقراطية قد تملك المفاتيح التنظيمية، لكن جيل المهندسين والتقنيين يملك شفرة المستقبل. وإذا لم تُفتح أبواب الاتحاد لهواء العصر، فإن رياح التغيير السيادي ستمضي في طريقها، تاركة وراءها خيمة لم تعد تقي أحداً من شمس الواقع الحارق. **

* مهندس إعلامية، إطارفي بنك عمومي.

** حرصاً مني على النزاهة الفكرية ومواكبة الثورة الرقمية، أود الإفادة بأنني استعنت بتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) في إنجاز الصياغة اللغوية والتنقيح السردي للنسخة النهائية من هذا المقال. أؤكد في هذا السياق أن دور التقنية اقتصر على الجانب الأدواتي لتحسين انسيابية النص، بينما تظل كافة الأفكار، والتحليلات، والمواقف الواردة في المقال نابعة من رؤيتي الشخصية وخلفيتي المهنية، وهي تعبر عن قناعاتي الراسخة بضرورة عصرنة الأجسام الوسيطة في بلادنا.

شارك رأيك

Your email address will not be published.