غسان الهنشيري… حين يصبح الألم امتحانًا للعدالة والحرية

بقلم فاهم بوكدوس

لم يعد الصمت ممكنًا، لأن ما نقلته الأستاذة عفاف زروق بعد زيارتها لغسان الهنشيري، وما أكدته عائلته، لا يتعلق بمجرد تطور صحي عابر، بل بوضع إنساني يبعث على القلق العميق. لقد بدا غسان شاحب الوجه، مرهقًا، وقد فقد الكثير من وزنه. إصابة قديمة في الرأس، تعرض لها إثر الاعتداء على المشاركين في أسطول الصمود، عادت لتتقيح وتشتد آلامها، فيما تواصل آلام الظهر الحادة حرمانه من النوم والراحة. إنها صورة موجعة لإنسان أنهكه الجسد، لكن روحه ما تزال تقاوم.

والأشد وقعًا من الألم نفسه، أن غسان لم يجعل من معاناته محور حديثه. سأل عن غزة، وعن الحرب، وعن الأصدقاء والرفاق، وقال بثقة الواثق: “لن ينسوني هنا، أعرفهم جيدًا.” وحين سألته محاميته إن كان نادمًا، جاء جوابه حاسمًا: لو عاد به الزمن لاختار أسطول الصمود مرة أخرى. ثم أوصى من جاءوا للاطمئنان عليه أن يوجهوا أنظارهم إلى غزة، قائلاً: “عينكم على غزة… نحن سنكون بخير.” كلمات تختصر معدن الرجال حين تُختبر القناعات بالألم لا بالشعارات.

وليس غسان وحده في هذه المحنة. فإلى جانبه يقبع رفاقه وائل نوار وغسان البوغديري ونبيل الشنوفي، وهم جميعًا جزء من قضية واحدة، ومن تجربة واحدة، ومن معاناة واحدة. وما روته الأستاذة عفاف زروق عن وائل نوار، حين وصفته بأنه بنفس الصمود والثبات ووضوح الرؤية، يؤكد أن هؤلاء الرجال، رغم السجن والمرض والإنهاك، ما زالوا يتمسكون بما يعتبرونه قضية عادلة، وما زالوا يبعثون برسائل تطمئن من هم خارج الأسوار بدل أن يطلبوا الشفقة لأنفسهم.

لكن البطولة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للصمت عن المعاناة. فصمود الإنسان لا يلغي حقه في العلاج، ولا يسقط عنه حقه في الكرامة، ولا يبرر أن يواجه المرض داخل ظروف احتجاز تزيد من آلامه. إن ما تطالب به عائلة غسان اليوم ليس امتيازًا، بل هو الحد الأدنى الذي تفرضه المبادئ الإنسانية والقانونية: الرعاية الصحية، وصون السلامة الجسدية، واحترام الكرامة الإنسانية.

وفي المقابل، يظل السؤال الأكبر مطروحًا بإلحاح: إلى أي غاية يستمر احتجاز معتقلي أسطول الصمود؟

لقد تجاوزت هذه القضية منذ زمن حدود ملف قضائي عادي. فهي تكشف، في جانب منها، طبيعة العلاقة بين الدولة والمجال المدني، وبين السلطة والحق في المبادرة والتضامن. فأسطول الصمود لم يكن تنظيمًا سريًا، ولم يكن نشاطًا خفيًا، بل كان مبادرة مدنية معلنة، عرفت أهدافها للرأي العام، وانطلقت في إطار تضامن إنساني مع شعب يعيش حصارًا وحربًا. ولذلك فإن استمرار إيقاف المشاركين فيه، لأشهر طويلة، يثير نقاشًا مشروعًا حول مدى التناسب بين التدابير المتخذة وبين طبيعة الوقائع، خاصة وأن الأصل في القانون أن يبقى الإيقاف التحفظي إجراءً استثنائيًا لا يتحول، بفعل الزمن، إلى عقوبة تسبق الحكم.

إن قوة العدالة لا تُقاس فقط بقدرتها على التتبع، بل أيضًا بقدرتها على حماية الحرية، وعلى ترسيخ قرينة البراءة، وعلى تجنب أن يصبح طول الإجراءات عبئًا إضافيًا على من لم تصدر في حقهم أحكام باتة. فحين يطول أمد الإيقاف، تتجاوز القضية بعدها الإجرائي، لتصبح امتحانًا لمدى التوازن بين مقتضيات البحث القضائي واحترام الحقوق الأساسية للأفراد.

كما أن السياق الدولي يجعل هذه القضية أكثر حساسية. ففي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات العالمية إلى رفع الحصار عن غزة، وإلى حماية العمل الإنساني، وإلى ضمان وصول المساعدات إلى المدنيين، يبدو استمرار احتجاز أشخاص ارتبط اسمهم بمبادرة تضامنية مع غزة موضع تساؤل سياسي وحقوقي. وليس المقصود هنا مصادرة حق القضاء في النظر في الملفات، وإنما التأكيد على أن العدالة تكتسب مشروعيتها أيضًا من قدرتها على تحقيق التوازن، ومن حرصها على ألا تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى وضع دائم.

اليوم، لا يتعلق الأمر بغسان الهنشيري وحده، ولا بوائل نوار، ولا بغسان البوغديري، ولا بنبيل الشنوفي. يتعلق الأمر بصورة العدالة نفسها، وبقدرتها على أن تبقى وفية لروح القانون، حيث تكون الحرية هي الأصل، والإيقاف هو الاستثناء، وقرينة البراءة حقيقة عملية لا مجرد نص قانوني.

إن تدهور الحالة الصحية لغسان يجعل المطالبة بالإفراج عنه وعن رفاقه أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ليس لأنهم فوق القانون، بل لأن دولة القانون الحقيقية تُقاس بقدرتها على حماية الإنسان، وعلى ضمان أن تبقى العدالة طريقًا إلى الإنصاف، لا أن يتحول الزمن الإجرائي، مهما كانت مبرراته، إلى عقوبة في حد ذاته. فالحرية، حين تقترن بالكرامة والعدالة، لا تكون انتصارًا لأشخاص بعينهم، بل انتصارًا للدولة ولمؤسساتها ولمعنى القانون نفسه.

*فاهم بوكدوس مدير تنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.