تعيش تونس هذه الأيام على وقع اضطرابات متزايدة في النفاذ إلى أبسط مقومات الحياة اليومية، من انقطاعات متكررة في الماء والكهرباء، وفقدان المياه المعدنية المعلبة في عز موجات الحر، وفي وقت تستعد فيه العائلات للعودة المدرسية وما يرافقها من أعباء مالية إضافية.
إن ما يحدث متصل بسياق أوسع يتسم بتراجع القدرة الشرائية، واستمرار البطالة والهشاشة الاقتصادية، وتدهور الخدمات العمومية، وتفاقم الأزمة البيئية، إلى جانب تواصل المآسي الإنسانية في البحر المتوسط والتضييق على الأصوات الناقدة والظروف السجنية القاسية.
إن هذه المؤشرات، مجتمعة، لا تعكس أزمات ظرفية أو منفصلة، بل تكشف عن أزمة اجتماعية هيكلية خانقة، أعادت التونسيين إلى مرحلة باتوا فيها يكافحون من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة، مثل الماء والكهرباء، وهي خدمات أساسية لا يقتصر غيابها على المساس بالكرامة الإنسانية، بل يهدد حياة المواطنين.
تعكس هذه الأوضاع تراجعًا كبيرًا في آليات الحماية الاقتصادية والاجتماعية، وعجزًا متزايدًا للسياسات العمومية عن الاستجابة للحاجيات الأساسية للمواطنين. ويطال تدهور الخدمات العمومية وظروف العيش، بشكل خاص، الفئات الأكثر هشاشة والجهات المهمشة.
وفي المقابل، يساهم تضييق الفضاء المدني وتجريم الاحتجاج في إلغاء دور المواطنين والمجتمع المدني في التعبير عن هذه الصعوبات، والتبليغ عنها، والمطالبة بالمساءلة والمحاسبة، بما يزيد من تعقيد الأزمة ويضعف آليات الرقابة المجتمعية.
وفي هذا السياق:
- يحمل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية السلطة السياسية، ، مسؤولية تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وغياب استجابات جدية تتناسب مع حجم الأزمة.
- يستنكر المنتدى الفجوة المتزايدة بين الواقع الذي يعيشه المواطنون والخطاب الرسمي للسلطة. فبدلًا من الاعتراف بتراكم الأزمات والتعامل معها بجدية، لا يزال عنوان الاستجابة الرسمية هو الإنكار والتنصل من المسؤولية.
- يدين المنتدى غياب التواصل الحكومي الفعلي مع المواطنين والاستخفاف بمعاناتهم، وما يترجمه ذلك من شعور متزايد بالتهميش والإقصاء.
- يرفض أن تتحول الأزمات اليومية وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية إلى أمر عادي أو وضع دائم.
كما يحذّر المنتدى من أن استمرار الإنكار وغياب الاستجابة الجدية قد يدفع البلاد نحو انزلاق اجتماعي خطير، في ظل تراكم الضغوط وتزايد الاحتقان.
وأمام هذا الوضع الدقيق، يدعو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى:
- اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان التزويد المنتظم بالماء والكهرباء، ووضع حد للانقطاعات والاضطرابات المتكررة، باعتبارهما من أبسط مقومات الحياة والحقوق الأساسية للمواطنين.
- التدخل العاجل لحماية القدرة الشرائية، والحد من ارتفاع كلفة المعيشة، وضمان توفر المواد الأساسية، خاصة في ظل اقتراب العودة المدرسية وتزايد الأعباء المالية على العائلات.
- احترام الحريات والإيقاف الفوري لتوظيف القضاء وجعله العصا الغليضة لقمع أصحاب الحقوق والتحركات الاحتجاجية السلمية
- إعادة فتح حوار جدي بين السلطة من جهة، والمجتمع المدني والمنظمات الاجتماعية والمواطنين المتضررين من جهة أخرى، بما يسمح بالاستماع إلى المطالب الفعلية والبحث عن حلول جدية للأزمة.
إن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يحذر من خطورة المرحلة و يدعو السلطة إلى تحمل مسؤوليتها وإيجاد الحلول العاجلة للأزمة ومعالجتها من جذورها، إن مزيد التأخير في الاستجابة سيؤدي إلى مرحلة قد تهدد الأمن والسلم الاجتماعيين ، و يعتبر أن المرحلة تتطلب قرارات عاجلة وحوار جدي يفضي إلى حلول قابلة للتنفيذ.
إن إنقاذ البلاد من مزيد من التدهور مسؤولية مشتركة، لكن المبادرة والاستجابة العاجلة تقعان اليوم على عاتق مؤسسات الدولة و على رأسها رئاسة الجمهورية.
تونس اليوم في حاجة ملحّة وأكيدة إلى الانتقال من دولة الشعارات والخطابات إلى بناء دولة اجتماعية فعلية، تتحمّل مسؤولياتها، وتضمن الحقوق، وتحمي مواطنيها.
رئيس المنتدى
أيوب الغدامسي



شارك رأيك