مدير جينيف للسياسة العربية، الدكتور سامي الجلولي يكتب حول الأزمة الدبلوماسية بين تونس و المغرب

في تدوينة نشرها اليوم الثلاثاء 30 أوت 2022 على صفحته الخاصة بالفايسبوك، عبر د. سامي الجلولي، مختص في الحقوق الأساسية و العلوم السياسية، باحث و مدير جينيف للسياسة العربية، عن رأيه في الأزمة الدبلوماسية التونسية المغربية بسبب استقبال الرئيس سعيد في مطار تونس قرطاج ا ابراهيم غالي زعيم جبهة البوليزاريو للمشاركة في ندوة تيكاد 8 التي احتضنتها تونس في 27 و 28 أوت الجاري.

و في ما يلي رأي الباحث في الأنظمة السياسية التونسي سامي الجلولي المقيم بسويسرا:

” رحلتي إلى “الدّاخلة Dakhla” !

خلال الأيام الأخيرة تابعت كشأن التونسيين الأزمة الدبلوماسية الحاصلة بين تونس والمغرب.

استمعت إلى بعض “المحللين السياسيين التونسيين، يتحدثون في ملف الصحراء والنزاع الحاصل بين المغرب وجبهة البوليزاريو…

وكل واحد يفتي من جهة…

لدي سؤال وحيد أريد طرحه على هؤلاء المحللين السياسيين ويتمثل في:

هل سبق لأحدكم أن زار الصحراء ؟

أجزم ألاّ أحد منهم ربما تجاوز مدينة مراكش أو أغادير… البعض ربما وصل نواحي ورزازات…

لكن من خلال تحاليلهم وتدويناتهم الشعبوية لا أحد منهم وصل مدينة العيون أو الداخلة التي تبعد عن الحدود الموريتانية حوالي 150 كم.

أنا، ذهبت إلى الصحراء مرتين ضمن وفد دولي (سويسري، أمريكي، فرنسي، إسباني…) مختصون في النزاعات الدولية، في الوساطة الدبلوماسية، في الإعلام… كان معنا وقتها إثنان من كبار مستشاري الرئيس الأمريكي السابق Obama في حملته الانتخابية في دورته الرئاسية الأولى…

زيارتنا كانت تحديدا إلى مدينة الداخلة Dakhla وسأنقل لكم ما وجدته… سأنقل لكم الواقع كما رأيته…

هناك وجدنا بنية تحتية جديدة، تطور عمراني كبير، شوارع شاسعة ومباني سكنية عصرية منتشرة…

لم نلحظ متشردا ولا جائعا… كما لم نرى عمليات نشل أو متسوّلين أو طوابير أمام المحلات ولا ندرة في السلع الغذائية…

الظاهر أن الدولة قد ضخّت الكثير من المال في تلك الجهات…

زرنا الميناء البحري فوقفنا على أساطيل صيد من كل الأحجام والأنواع ووفرة كبيرة في منتوج سمكي متنوع…

زرنا المنطقة السياحية التي تقع خارج مدينة الداخلة في طريق صحراوي، أين تمارس رياضة kitesurf… وجدنا سيّاحا من جنسيات أوروبية متعددة…

في الطريق إلى هناك، رأينا جمالا ونوقا وجلسنا داخل خيمة… احتسينا الشاي وتذوّقنا حليب النّوق…

في الداخلة، وجدنا فنادق يملكها أجانب… أحد هذه الفنادق يعود بالملكية لفرنسي أخبرنا بأنه كان صاحب إذاعة جهوية في منطقة Haute-Savoie الفرنسية وحدثنا عن ثروته التي جمعها من عائدات الإشهار الإذاعي في مدينة جنيف أثناء الثمانينات ثم ابتنى هذا الفندق وفندق آخر…

زرنا الأحياء والمحلات التجارية. هناك تجد جميع السلع المحلية، الإسبانية والصينية… وهي معفاة من الضرائب كما أن الناس هناك لا يدفعون للدولة ضرائب ولا مُكوس… بل يتحصلون على رواتب ومنح مالية…

لاحظنا هناك أن الناس يحتسون الكثير من الشاي ولهم في جلساته طقوس ونواميس تتعلق بطريقة طبخه وصبّه في الكؤوس… وأنهم مجتمع بدوي بسيط، مميّز بلباسه الصحراوي وكانوا على خلق كبير…

كما استنتجنا أن القاطنين بالمناطق الصحراوية وتحديدا بجهة الداخلة لهم ربما حقوقا أكثر من باقي المغاربة وأن السلطة المركزية في الرباط تعاملهم معاملة ربما تفاضلية…

عرفنا أن ملف الصحراء هو ملف شائك ومعقد سياسيا، كما عرفنا أن هذا الملف على غاية من الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمغاربة…

لم نناقش إن كانوا على حق أم على باطل… استمعنا فقط…

ذكرت هذا دون الدخول في تفاصيل نزاع معقّد وقع تدويله منذ عقود ودون الدخول في متاهات تاريخية وجغرافية وسياسية…

دعوتي للمحللين السياسيين التونسيين أن زوروا مناطق النزاع في أي مكان في العالم والتقوا بالناس وتحدثوا إليهم وانقلوا عنهم… هناك فروق كبيرة بين ما نراه وما نسمعه…

السفر خير من الجلوس وراء حاسوب لصيد أخبار على منصات التواصل الاجتماعي في أكثر الأحيان مغلوطة أو مغلّفة برائحة البروباغاندا… السفر قد يكلفكم بعض المال لكن سيفتح عقولكم وأبصاركم على واقع مغاير…

أخيرا،

الأزمة الدبلوماسية الحاصلة بين تونس والمغرب، ربما قد تطول قليلا، قد تتعثّر وقد تتعكّر… لكن ستجد لها حلاّ… كما نأمل ايجاد حل للأزمة المغربية الجزائرية… فما يحدث لا يخدم أي جهة…

الدول المغاربية اليوم من موريتانيا إلى ليبيا في أسوأ حال… السياسة الخارجية لهذه الدول تحولت إلى معول هدم لا إلى أداة بناء وتقارب واندماج مثلما كان مأمولا منذ سنوات عديدة…

الشّرخ اتسع بسبب الانفلات الإعلامي من كل الجهات دون استثناء… وهذا يمثل خطرا على السلم والأمن السياسي والاجتماعي للمنطقة المغاربية…

الحلّ في هذا الوضع معقد جدا وإمكانية التقارب على – المدى المتوسط – بين مختلف دول المنطقة صعبة جدا إن لم نقل في حكم الجمود…

لا أحد يملك الاجابة عمّا سيكون عليه الوضع بعد خمس أو عشر سنوات…

بالنسبة لتونس،
مناهجها السياسية كحال مناهجها التعليمية أراها في حاجة إلى إعادة تشكيل راديكالي وتأسيس دبلوماسية جديدة تقوم أساسا على الفكر البراغماتي…

سامي الجلّولي
سويسرا، في 30 أوت 2022
Ommi el ghalia
Zora Abid
مدير جينيف للسياسة العربية، الدكتور سامي الجلولي يكتب حول الأزمة الدبلوماسية بين تونس و المغرب

في تدوينة نشرها اليوم الثلاثاء 30 أوت 2022 على صفحته الخاصة بالفايسبوك، عبر د. سامي الجلولي، مختص في الحقوق الأساسية و العلوم السياسية، باحث و مدير جينيف للسياسة العربية، عن رأيه في الأزمة الدبلوماسية التونسية المغربية بسبب استقبال الرئيس سعيد في مطار تونس قرطاج ا ابراهيم غالي زعيم جبهة البوليزاريو للمشاركة في ندوة تيكاد 8 التي احتضنتها تونس في 27 و 28 أوت الجاري.

و في ما يلي رأي الباحث في الأنظمة السياسية التونسي سامي الجلولي المقيم بسويسرا:

” رحلتي إلى “الدّاخلة Dakhla” !

خلال الأيام الأخيرة تابعت كشأن التونسيين الأزمة الدبلوماسية الحاصلة بين تونس والمغرب.

استمعت إلى بعض “المحللين السياسيين التونسيين، يتحدثون في ملف الصحراء والنزاع الحاصل بين المغرب وجبهة البوليزاريو…

وكل واحد يفتي من جهة…

لدي سؤال وحيد أريد طرحه على هؤلاء المحللين السياسيين ويتمثل في:

هل سبق لأحدكم أن زار الصحراء ؟

أجزم ألاّ أحد منهم ربما تجاوز مدينة مراكش أو أغادير… البعض ربما وصل نواحي ورزازات…

لكن من خلال تحاليلهم وتدويناتهم الشعبوية لا أحد منهم وصل مدينة العيون أو الداخلة التي تبعد عن الحدود الموريتانية حوالي 150 كم.

أنا، ذهبت إلى الصحراء مرتين ضمن وفد دولي (سويسري، أمريكي، فرنسي، إسباني…) مختصون في النزاعات الدولية، في الوساطة الدبلوماسية، في الإعلام… كان معنا وقتها إثنان من كبار مستشاري الرئيس الأمريكي السابق Obama في حملته الانتخابية في دورته الرئاسية الأولى…

زيارتنا كانت تحديدا إلى مدينة الداخلة Dakhla وسأنقل لكم ما وجدته… سأنقل لكم الواقع كما رأيته…

هناك وجدنا بنية تحتية جديدة، تطور عمراني كبير، شوارع شاسعة ومباني سكنية عصرية منتشرة…

لم نلحظ متشردا ولا جائعا… كما لم نرى عمليات نشل أو متسوّلين أو طوابير أمام المحلات ولا ندرة في السلع الغذائية…

الظاهر أن الدولة قد ضخّت الكثير من المال في تلك الجهات…

زرنا الميناء البحري فوقفنا على أساطيل صيد من كل الأحجام والأنواع ووفرة كبيرة في منتوج سمكي متنوع…

زرنا المنطقة السياحية التي تقع خارج مدينة الداخلة في طريق صحراوي، أين تمارس رياضة kitesurf… وجدنا سيّاحا من جنسيات أوروبية متعددة…

في الطريق إلى هناك، رأينا جمالا ونوقا وجلسنا داخل خيمة… احتسينا الشاي وتذوّقنا حليب النّوق…

في الداخلة، وجدنا فنادق يملكها أجانب… أحد هذه الفنادق يعود بالملكية لفرنسي أخبرنا بأنه كان صاحب إذاعة جهوية في منطقة Haute-Savoie الفرنسية وحدثنا عن ثروته التي جمعها من عائدات الإشهار الإذاعي في مدينة جنيف أثناء الثمانينات ثم ابتنى هذا الفندق وفندق آخر…

زرنا الأحياء والمحلات التجارية. هناك تجد جميع السلع المحلية، الإسبانية والصينية… وهي معفاة من الضرائب كما أن الناس هناك لا يدفعون للدولة ضرائب ولا مُكوس… بل يتحصلون على رواتب ومنح مالية…

لاحظنا هناك أن الناس يحتسون الكثير من الشاي ولهم في جلساته طقوس ونواميس تتعلق بطريقة طبخه وصبّه في الكؤوس… وأنهم مجتمع بدوي بسيط، مميّز بلباسه الصحراوي وكانوا على خلق كبير…

كما استنتجنا أن القاطنين بالمناطق الصحراوية وتحديدا بجهة الداخلة لهم ربما حقوقا أكثر من باقي المغاربة وأن السلطة المركزية في الرباط تعاملهم معاملة ربما تفاضلية…

عرفنا أن ملف الصحراء هو ملف شائك ومعقد سياسيا، كما عرفنا أن هذا الملف على غاية من الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للمغاربة…

لم نناقش إن كانوا على حق أم على باطل… استمعنا فقط…

ذكرت هذا دون الدخول في تفاصيل نزاع معقّد وقع تدويله منذ عقود ودون الدخول في متاهات تاريخية وجغرافية وسياسية…

دعوتي للمحللين السياسيين التونسيين أن زوروا مناطق النزاع في أي مكان في العالم والتقوا بالناس وتحدثوا إليهم وانقلوا عنهم… هناك فروق كبيرة بين ما نراه وما نسمعه…

السفر خير من الجلوس وراء حاسوب لصيد أخبار على منصات التواصل الاجتماعي في أكثر الأحيان مغلوطة أو مغلّفة برائحة البروباغاندا… السفر قد يكلفكم بعض المال لكن سيفتح عقولكم وأبصاركم على واقع مغاير…

أخيرا،

الأزمة الدبلوماسية الحاصلة بين تونس والمغرب، ربما قد تطول قليلا، قد تتعثّر وقد تتعكّر… لكن ستجد لها حلاّ… كما نأمل ايجاد حل للأزمة المغربية الجزائرية… فما يحدث لا يخدم أي جهة…

الدول المغاربية اليوم من موريتانيا إلى ليبيا في أسوأ حال… السياسة الخارجية لهذه الدول تحولت إلى معول هدم لا إلى أداة بناء وتقارب واندماج مثلما كان مأمولا منذ سنوات عديدة…

الشّرخ اتسع بسبب الانفلات الإعلامي من كل الجهات دون استثناء… وهذا يمثل خطرا على السلم والأمن السياسي والاجتماعي للمنطقة المغاربية…

الحلّ في هذا الوضع معقد جدا وإمكانية التقارب على – المدى المتوسط – بين مختلف دول المنطقة صعبة جدا إن لم نقل في حكم الجمود…

لا أحد يملك الاجابة عمّا سيكون عليه الوضع بعد خمس أو عشر سنوات…

بالنسبة لتونس،
مناهجها السياسية كحال مناهجها التعليمية أراها في حاجة إلى إعادة تشكيل راديكالي وتأسيس دبلوماسية جديدة تقوم أساسا على الفكر البراغماتي…

سامي الجلّولي
سويسرا، في 30 أوت 2022″.

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.