د. لطفي دبيش يحمل الدولة مسؤولياتها إزاء هجرة الكفاءات و إزاء الحرقة، مصعد اجتماعي فرضته عشرية الرداءة

حول ملف الحراقة و هجرة الأدمغة، عبر د. لطفي دبيش، استاذ الحضارة بالجامعة التونسية، منذ يومين، من خلال ما نشره اول أمس الجمعة بتاريخ 16 سبتمبر الجاري على صفحات التواصل الاجتماعي عن رأيه في الهجرة غير النظامية و في هجرة الكفاءات محملا الدولة مسؤولية العاقبة.


و في ما يلي ما نشره:

“الحرقة” مصعد اجتماعي جديد:
لدولة الاستقلال فضل كبير في ترسيخ قيمة ثقافية هامة صارت عبر السنين ثابتا من ثوابت المجتمع التونسي وببعض التجوّز ميسم أساسي في تكوين الشخصية التونسية.
وصارت العائلة التونسية متعلقة بالمدرسة وتعتبر أهم نجاح في الحياة هو نجاح أبنائها في امتحاناتهم و تبذل قصارى جهدها لتأمين تفوّقهم وتميزهم و تدفع الغالي والنفيس من أجل رفع هذا التحدّي.
الايمان بالمعرفة والاستثمار فيها والحرص كل الحرص على بلوغ أبنائهم أعلى الدرجات طموح تونسي بامتياز لا نرى مثله في كثير من البلدان العربية وغيرها من البلدان.
ليس سهلا ترسيخ هذه القيمة الثقافية.
و قد تطلّب ذلك مجهودا كبيرا بذلته دولة الاستقلال وحرص الزعيم الحبيب بورقيبة على نشر تلك القيمة بين التونسيين وفي جميع الاوساط الاجتماعية.فجرى الجميع لإنجاح أبنائهم وصار التعليم مصعدا اجتماعيا حقيقيا فلا المال ولا الجاه بل أعلى الشهادات هي التي ترتقي بالشخص الى أعلى المراتب ويكون الجزاء مقابل الشهادة…واعتمدت الدولة نظام تأجير يأخذ بعين الاعتبار سنوات الدراسة ، باك +، باك -…على قدر تفوّقك يكون راتبك…التعليم ينير العقول أولا ويقطع مع الشعوذة والجهل ثم يحسّن الوضع المادي للشخص والعائلة وبفضله يصنع الأشخاص مكانتهم.التعليم مصعد اجتماعي حقيقي وهذه خاصية تونسية. أيننا منها الآن؟
عشرية ثقيلة فككت مؤسسات الدولة وفتتت العائلة التونسية وجعلتها عائلات يتقاذفها الجهل والشعوذة والفهم السطحي الساذج للدين…واستهدفت منوالها الاجتماعي بنشر سلوكات غريبة وعجيبة لا يعرفها التونسي ونشرت أشكالا موازية تعليم مواز، اقتصاد مواز ،تديّن مواز وووو….وبدأ الموازي يأخذ مكانه جنبا الى جنب مع الرسمي المعهود، ولا أخطر من ذلك عندما ينفجر بركان الموازي فيعصف بالأساسي الذي توافق عليه التونسيون ولبسوه من زمااان قيما وثقافة وتصورا للحياة.
وأضعفت تشبث التونسي بالتعليم مصعدا اجتماعيا ومعرفيا وبدات تلك القيمة تتحلل لكنها لم تندثر…إنها قيمة ثقافية تصارع الرداءة والبؤس الوافد والتي تسعى أياد تونسية باديولوجيات قذرة نشره بيننا..وبدأت العائلة التونسية ترى أن مستقبل أبنائها يكمن خارج الوطن لا داخله. وشجعت ابناءها على الهجرة والتعلم خارج الديار والعمل خارج الديار أيضا عبر المسالك القانونية او عبر غيرها و صارت الحرقة ظاهرة اجتماعية تدعمها العائلات .مصعد اجتماعي جديد فرضته عشرية الرداءة حوكمة واداء. والعائلة التونسية تركبه رغم أنفها مع انسداد الأفق وغياب الرؤى. مصعد اجتماعي مدمر نزيف اجتماعي واقتصادي وثقافي خطير يهدد المصلحة الوطنية سواء للمهاجرين القانونيين او لغيرهم خارج المسالك القانونية .لما يبني التونسي اقتصاد غيره ويداوي مرضى غيره ويبني حياة غيره ولا يجد حظه في بلاده.تونس بسكانها مجرد حيّ من أحياء بيكين. فلما يعرضها علينا من تقدموا لسياستنا معضلة لا حل لها.
تونس قادرة بأبنائها وبخيراتها على تجاوز نكباتها. تونس غنية وقادرة على الأفضل شرط التخلص من مكبلات “الاستعمار الناعم” داخليا و خارجيا.
على الدولة تحمّل مسؤولياتها إزاء” الحرقة “أولا وهجرة الكفاءات التي التي انسدت الأفق أمامها…لا اتصوّر بلادنا عاجزة على استيعاب أبنائها”.

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.