بعد مرور سنة على صدور أولى الأحكام في ما يُعرف إعلاميًا بقضية “التآمر على أمن الدولة” ضد قادة الأحزاب السياسية وعدد من الشخصيات السياسية والحقوقية، تواصل جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات متابعة هذا الملف وتوثيق مختلف انتهاكات حقوق الإنسان التي تخللته ببالغ الانشغال، في ظل ما يثيره من تساؤلات جدية حول ضرب العمل السياسي ونسف ضمانات المحاكمة العادلة، ومدى التزام الدولة التونسية بتعهداتها الوطنية والدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما تلك المتعلقة بالمعايير الدنيا للمحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
حيث أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، بتاريخ 19 أفريل 2025، أحكامًا سجنية تراوحت بين أربع وست وستين سنة سجن، في محاكمة افتقرت إلى أدنى مقومات المحاكمة العادلة، وقد أفاد الدفاع حينها بأن الجلسة رُفعت دون استنطاق المتهمين والمتهمات، ودون تمكين هيئة الدفاع من الترافع وممارسة حقها في الدفاع. وهي وقائع تكشف الطابع السياسي للقضية، وتعكس تراجعًا خطيرًا في ضمانات المحاكمة العادلة، وإفراغًا لمفهوم العدالة من مضمونه.
ويأتي ذلك بعد مرور أكثر من سنتين من الإيقاف التحفظي في خرق جسيم للقانون، تعرّض خلالها الموقوفون لانتهاكات عديدة لحقوق الإنسان، سواء داخل أماكن الاحتجاز أو خارجها، في سياق شابته قيود جدية على حق الدفاع، من بينها حرمان عدد منهم من الحضور داخل قاعات المحكمة وإتاحة الفرصة لهم للدفاع عن أنفسهم. ما يجعل من هذا المسار مسارًا متكاملًا يُفضي إلى تقويض الحريات السياسية، عبر ملاحقة المعارضين وتوظيف أجهزة الدولة والقضاء في مناخ يسوده الترهيب وإسكات الأصوات الناقدة.
وفي هذه المناسبة، تجدد جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات مساندتها المطلقة وغير المشروطة للمعتقلين السياسيين وعائلاتهم في مواجهة هذه المظلمة، وما ترتب عنها من أحكام جائرة تمثل خرقًا واضحًا لمبادئ المحاكمة العادلة، وتكريسًا لحرمان المتهمين من حقوق الدفاع، وتوظيفًا للقضاء في سياق استهداف الخصوم السياسيين.
وتؤكد رفضها القاطع للأحكام القضائية التي تم تأييدها في الطور الاستئنافي وباتت نافذة، لما تعكسه من توجه مقلق نحو إرساء قضاء تابع للسلطة التنفيذية وخاضع لتأثيرات سياسية، يُستعمل لإضفاء شرعية شكلية على ممارسات ذات طابع تعسفي تستهدف مختلف الأصوات المعارضة، بدلًا من أن يؤدي دوره كسلطة مستقلة ضامنة للحقوق والحريات.
وفي الختام، تعتبر تقاطع أن هذه القضية لا يمكن عزلها عن السياق السياسي والحقوقي الذي أتت فيه، وما يتضمنه من تجريم للمعارضة السياسية ورفض لكل الأصوات الناقدة، وأن هذه الأحكام القضائية تمثل انتكاسة على مستوى الحقوق والحريات السياسية، وتشكل حلقة ضمن مسار أوسع يهدد مكتسبات الحريات العامة، ويُكرّس مناخًا يتجه نحو تقويض التعددية السياسية، عبر استهداف المعارضين، وتطويع القضاء وبقية أجهزة الدولة، في سياق يهدف إلى ترهيب الأصوات الناقدة وإخمادها، بالتوازي مع تصاعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وخاصة الحقوق المدنية والسياسية.



شارك رأيك