ترجّل أمس، الأحد 19 أبريل 2026، إدريس قيقة، أحد بناة الدولة الوطنية وأحد أبرز وزراء الحبيب بورقيبة وأكثرهم استمرارية في منصبه كوزير وسفير (لمدة 24 سنة بصفة متواصلة)، أحد أبرز رجالات الدولة في عهد الرئيس الراحل، عن عمر ناهز 102 عام.
عادل بن يوسف *

كجلّ التونسيّين عرفتُ الأستاذ ادريس قيقة من خلال الإعلام الرسمي التونسي والصّحافة… وبصفة خاصة لما كنت طالبا في الجامعة بتونس العاصمة وتحديدا إبّان انتفاضة الخبز في جانفي 1984 التي سقط خلالها أمامنا في شوارع تونس العاصمة عشرات الشهداء ومئات الجرحى وفي مقدمتهم رفيق الدراسة، الشهيد فاضل ساسي، ابن قسم العربية بكلّية الآداب والعلوم الانسانية بتونس وأستاذ مساعد حينها بالمعهد الثانوي بتبرسق يكمل شهادته الأخيرة بالكلّية وذلك أمام العمارة التي كان يقطن بها مع والديه بشارع شارل ديغول وكان الإبن الوحيد لهما. وقد قامت فرقة البحث الموسيقي بقابس بتكريم روحه الطاهرة بأغنية لا تزال تُمرّر وتسمع إلى اليوم من كلمات ابن الكلية وقسم التاريخ والجغرافيا، الشاعر الأزهر الضاوي وأداء صاحبة الصوت الشذيّ، الفنّانة المتميّزة آمال الحمروني. وكان حينها الأستاذ إدريس قيقة يشغل منصب وزير داخلية. لذا انصبّ جام غضبنا حينها عليه وعلي وقوات الأمن التي استخدمت الرصاص الحيّ تجاه متظاهرين أبرياء نزلوا إلى الشارع للتعبير عن رفضهم لمضاعفة حكومة مزالي لسعر الخبز (من 80 إلى 170 مليم) والعجين ومشتقاته…
صراع الخلافة
لكن بعد مرور السنين وتخصّصي في التاريخ المعاصر ومحاورتي للأستاذ محمّد مزالي في بيته بضاحية صقانس إثر عودته من منفاه القسري بباريس في صيف سنة 2000، تبيّن لي أنّ انتفاضة الخبز كانت حلقة من حلقات التنافس على خلافة بورقيبة في سدّة الحكم بين وزراء بورقيبة وتحديدا بين “شقّ وسيلة بورقيبة” وفي مقدمتهم الوزير ادريس قيقة من جهة، و شخص الوزير الأوّل محمّد مزالي رأسا من جهة ثانية.
وقد تأكّد لي ذلك بعد سنوات وتحديدا سنة 2015 بمناسبة تحوّلي إلى بيت الأستاذ ادريس قيقة بالحمّامات حيث حاورته ببرنامجي الاذاعي “شهادات حيّة” على موجات اذاعة المنستير. وقد استقبلني مع فريق البرنامج بكل حفاوة رفقة زوجته المرحومة، الأستاذة الرسّامة شاشا سَفير- قيقة وأمدّني بمعلومات لم يفصح عنها من قبلُ. كما أسهب في الحديث عن “التاريخ المصغّر” لتونس المستقلّة وفي مقدمتها المناصب التي شغلها، بدءا بمنصب كاتب عام بالمجلس القومي التأسيسي منذ سنة 1956، فمدير عام للأمن العمومي وخاصة تفاصيل الاطاحة بالنظام الملكي وإعلان الجمهورية عشيّة 25 جويلية 1957، مرورا بمنصب مدير عام للسياحة فوزير للصحّة العمومية وإشرافه بتكليف من الرئيس بورقيبة على برنامج تحديد النسل والتنظيم العائلي منذ سنة 1964…، وصولا إلى وزارة الداخلية وانتفاضة الخبز وصراع الأجنحة على الحكم داخل وخارج القصر في الثمانينات… إلى درجة انني قسمّنا التسجيل (لمدة قرابة ثلاث ساعات ونصف) على أربع حلقات كاملة تمّ بثّتها خلال منتصف شهر جوان وبدايات شهر جويلية 2015.
وقد قام بتدوين ونشر كل هذه المعلومات والتفاصيل في مذكراته التي صدرت باللغة الفرنسية بعد تسع سنوات عن دار سراس للنشر في سنة 2024 بمناسبة مرور مائة سنة على ولادته. وقد وسمها: “على خطى بورقيبة 1934-1984” (Sur le chemin de Bourguiba).
كما كنتُ من حين لآخر أتصل به ليتدخل معي بالهاتف في يرمجة خاصة باذاعة المنستير بمناسبة عيد الجمهورية يوم 25 جويلية من كل سنة، فكان مشكورا يلبّي الدعوة دون تردّد.
وبهذه المناسبة الأليمة وللتعريف بالفقيد للأجيال الحالية، رأيت من الضروري التعريف بالفقيد ونضاله الوطنيّ ومسيرته المهنية الطويلة.
الولادة والنشأة والدراسة:
ولد الأستاذ إدريس قيقة يوم 21 أكتوبر 1924 بمدينة تستور وسط أسرة أصيلة قرية تكرونة البربرية بالساحل التونسي التي غادرها جدّه حمّودة قيقة للعمل كمعلّم بشمال المملكة التونسية حيث عهدت له إدارة التعليم مهمّة إحداث وإدارة المدرسة الفرنسية-العربية بتستور التي أدارها لحوالي 40 سنة.
وقد سار أبناء وبنات حمّودة قيقة وفي مقدمتهم عبد الرحمان والطاهر… على درب والدهم كمُعلّمين، باستثناء البحري قيقة الذي درس الحقوق وامتهن المحاماة وكان من مؤسّسي الحزب الدستوري الجديد إلى جانب الأساتذة الحبيب بورقيبة وامحمِّد بورقيبة والطاهر صفر والدكتور محمود الماطري بمدينة قصر هلال في 2 مارس 1934.
زاول ادريس قيقة تعليمه الابتدائي بالمدرسة الفرنسية العربية بتستور ثمّ بطبربة وماتلين (قرب بنزرت) وبمدرسة رحبة الغنم حيث أحرز على شهادة ختم التعليم الابتدائي. وإثر ذلك التحق بالمدرسة الصادقية لمزاولة تعليمه الثانوي ثمّ بمعهد رادس حيث أحرز على شهادة البكالوريا.
وفي سنة 1944 التحق بجامعة الجزائر العاصمة حيث أحرز سنة 1947 على الإجازة في الحقوق و أخرى في التاريخ. وبهذه الجامعة تعرّف على شريكة حياته زوجته شاشا سَفير. إثر ذلك التحق بكلية الحقوق بباريس حيث تحصّل على شهادة الدكتوراه في القانون المدني وتاريخ القانون سنة 1949.
المسيرة المهنيّة:
إثر عودته إلى تونس، رالفقيد سّم بسجلّ المحاماة بمكتب عمّه البحري قيقة. وبالتوازي مع المحاماة كان يكتب بصحيفة “ميسيون” (Mission) التي كان يديرها الأستاذ الهادي نويرة. و في جانفي 1952 ألقي عليه القبض وأودع بمحتشَدَيْ زعرور (قرب بنزرت) وتبرسق لمدّة ستة أشهر.
وعلى إثر استقلال تونس، شغل عديد المناصب الإداري والسياسية الهامة وهي تباعا:
– الكاتب العام للمجلس القومي التأسيسي من أفريل 1956 إلى جانفي 1957.
– رئيسا للإدارة الجهوية والمدير العام للأمن بوزارة الداخلية إلى غاية اكتشاف المحاولة الانقلابية ضد الرئيس بورقيبة في ديسمبر 1962.
– مديرا عاما للسياحة: من سنة 1962 إلى سنة 1969.
– وزيرا للصحة خلفا للأستاذ الهادي خفشّة: من 1969 إلى 17 مارس 1973.
– وزيرا للتربية القومية: من 18 مارس 1973 إلى غاية 31 ماي 1976.
– سفيرا لتونس بألمانيا من 1976 إلى 1980.
ومنذ تسلّم الأستاذ محمّد مزالي رئاسة الحكومة في أفريل 1980 أُسندت له وزارة الداخلية التي بقي على رأسها إلى غاية 6 جانفي 1984، تاريخ نهاية انتفاضة الخبز التي اندلعت في 26 ديسمبر 1983 وراح ضحيتها 19 شهيدا و 114 جريحا حسب الأرقام الرسمية و 120 شهيدا ومئات الجرحى بكامل أنحاء البلاد حسب المعارضة.
وإثر ضمّ مزالي وزارة الداخلية إليه في 7 جانفي 1984، غادر إدريس قيقة في نفس اليوم البلاد للاستقرار بلندن حيث عمل مستشارا لرجل الأعمال السعودي شمس الدين الفاسي، رئيس المجلس الصوفي العالمي. ورغم مغادرته البلاد فقد أحيل على المحكمة العليا بتهمة “التآمر على أمن الدولة” و “الخيانة العظمى”، التي حكمت عليه غيابيا بالسجن لمدة عشر سنوات.
فترة المتاعب في بدايات حكم بن علي:
إثر عودته إلى تونس يوم 8 نوفمبر 1987 إثر استيلاء زين العابدين بن علي الحكم، أوقف في مطار تونس قرطاج الدولي وأودع السجن حيث قضّى ثلاثة عشر يوما في السجن المدني 9 أفريل. وفي في 13 ديسمبر 1987 حُكم عليه بخمس سنوات سجنا مع تأجيل التنفيذ.
ومنذ ذلك التاريخ وطيلة كامل فترة حكم بن علي، آثر الصمت والانسحاب من عالم السياسة بملازمة منزله بالحمامات والتفرّغ للمطالعة والكتابة. و بعد 14 جانفي 2011 سجّل حضوره من جديد في بعض المنابر الإعلامية، من أبرزها قناة العربية والتلفزة الوطنية ومؤسّسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات…
وفي جلستها العلنية الحادية عشرة المنعقدة يوم الجمعة 11 جويلية 2016 كانت للأستاذ ادريس قيقة جلسة استماع علنية بهيئة الحقيقة والكرامة حول عمليات تزوير للانتخابات في مراحل مختلفة من تاريخ تونس بعد الإستقلال، توزعوا بين من ساهم في هذه الممارسات من موقع مسؤوليته في الدولة و الحزب الحاكم أو ممّن كانوا ضحية لهذا التزوير وخاصة أحزاب المعارضة.
وفي سنة 2024 نشر الأستاذ ادريس مذكراته باللغة الفرنسية الموسومة: “على خطى بورقيبة 1934-1984” (Sur le chemin de Bourguiba)، دار سيراس للنشر، 264 صفحة، تطرّق من خلالها لنشأته ودراسته ومسيرته وكشف فيها بكل التفاصيل والحيثيّات عن أبرز المحطات السياسية من تاريخ تونس المستقلّة فأثرى من موقعه المكتبة التاريخية التونسية.
كما للفقيد مقالات علمية حول تونس نذكر منها:
Iles de la Mer, îles du désert, Revue Française de l’Elite Européenne, n° spécial «Tunisie», n° 166, juil. 1964 pp. 11-22.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة وأسكنه فراديس جنانه ورزق أهله وذويه جميل الصبرو السلوان. وكما يقول الشاعر ابن دريد: “وَإِنَّمـا المَـرءُ حَـديـثٌ بَـعـدَهُ *** فَكُن حَديثـاً حَسَنـاً لِمَـن وَعـى”.
هذا وسيقام موكب الدفن اليوم، الاثنين 20 أفريل، بمقبرة الحمامات اثر صلاة الظهر.
* مؤرخ.



شارك رأيك