عقيدة السيادة الذكية والندية الشاملة : تونس التي تصنع ردعها، وتكرم عقولها، وتؤمن حدودها رقمياً بمهارات وذكاء وطنيين، هي الوحيدة القادرة على الانتقال من “ضحية للجغرافيا” وهيمنة الجوار إلى “سيدة نفسها بفضل التكنولوجيا”.
إلياس القصري *

أولا: تهديدات إقليمية متواصلة:
1. فشل الردع التقليدي مع انعدام التوازن العسكري :
تعتمد العقيدة الدفاعية الكلاسيكية للجوار (الجزائر وليبيا) على الحشد الكمي والعتاد الثقيل (دبابات، طائرات سيطرة جوية، غواصات).
شكل الجوار البري لتونس سلسلة من التهديدات المتنوعة مع تأثير متزايد على خياراتها السيادية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ودبلوماسيا.
تاريخياً، لم تستطع تونس مجاراة هذا الإنفاق العسكري الضخم بسبب محدودية مواردها وخيارات أعطت الأسبقية لبناء الدولة والمجتمع قبل الترسانة العسكرية.
أثبتت المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية (مارس-أفريل 2026) أن المنظومات الدفاعية التقليدية والجيوش المليونية أصبحت “أهدافاً ثابتة” أمام الهجمات الجراحية الرقمية والدرونات المستقلة.
النتيجة : لا تحتاج تونس لمنافسة الجوار في “عدد” السلاح، بل في “نوعية” التكنولوجيا، وهو ما يكسر التفوق التقليدي للجيران عبر الردع غير المتكافئ.
2. إرث “الجوار المتأزم” واستراتيجية الاستنزاف :
منذ ستينيات القرن الماضي، استُخدمت الحدود التونسية كأداة للضغط السياسي (أحداث قفصة 1980، أزمات طرد العمالة، واتفاقية 1970 الحدودية المجحفة والأخوة الجزائرية الخانقة).
اليوم، تحول الانسداد الداخلي في الجزائر والتشظي في ليبيا إلى تهديد دائم لتوازنات تونس وتفاقم نزعات الهيمنة رغم الشعارات المعسولة.
تدفق موجات الهجرة غير النظامية من جنوب الصحراء عبر الحدود البرية ليس صدفة، بل هو “سلاح ديموغرافي” يُدفع به لتحويل تونس إلى “منطقة عازلة” للأزمات الإقليمية.
3. التهريب وهيكلة “اللا دولة” :
التهريب مع الجانبين الجزائري والليبي ليس نشاطاً تجارياً، بل هو هيكل يغذي الإرهاب ويخلق ولاءات موازية لبارونات المال الفاسد، مما يقوض سلطة الدولة والقانون ويضرب النسيج الصناعي الوطني.
النتيجة: السيطرة الكلاسيكية على الحدود أظهرت محدوديتها؛ والحل يكمن ليس في التعويل على حسن نوايا الغير بل في التحكم سياديا في حدودنا بالتعويل على الكفاءات الفردية عن طريق “الرقمنة الردعية” التي تتصدى لنزعات الهيمنة الخارجية وتقطع شرايين الحياة اقتصاد اللادولة.
ثانياً: استراتيجية الاكتفاء الذاتي في الردع والتصدي والذود عن الوطن:
1- آلية “السيادة للمهندسين” (استعادة العصب الحيوي):
التحدي: هجرة 20 مهندساً يومياً (حسب عميد المهندسين) عبارة عن نزيف وانتحار تقني للبلاد لمل يمثله من خسارة شركة ناشئة في قطاع التكنولوجيا كل يوم.
الحل: إنشاء “مجمع تونس للصناعات السيادية” برواتب عالمية وامتيازات وتحفيزات مالية وجبائية استثنائية، لتحويل المهندس التونسي من “مشروع مهاجر” إلى “مقاتل تكنولوجي” يطور شفرات الردع الوطنية (تونسية البرمجة والقرار).
2. آلية “الشراكة الدولية جنوب-جنوب” (محور تونس-الخليج):
بناء تحالف استراتيجي مع المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة قائم على التكامل (العقول والابتكار التونسي + التمويل والأسواق الخليجية).
الهدف: اكتساح الأسواق الدولية بـ “باقات أمنية سيادية” (درونات مراقبة، أنظمة تشفير، حماية سيبرانية) موجهة للدول النامية، مما ينهي ارتهان تونس المالي للأخوة والأصدقاء والمؤسسات المالية الدولية التي أظهرت كلفتها العالية على عديد الأصعدة.
3. آلية “الحدود الذكية” (Smart Borders):
استبدال الرقابة البشرية التقليدية والمنظومات المستوردة ب”الدرع الرقمي الوطني” (منظومات رصد تونسية الصنع : درونات + ذكاء اصطناعي) تغلق الحدود أمام التهريب والتسلل والهجرة بشكل آلي بصنع و براءات تونسية 100%.
الأثر: امتلاك قدرة رصد سيادية تنهي “التبعية المعلوماتية” للجوار وتسمح بمراجعة الاتفاقيات الحدودية والطاقية من موقع الندية والقوة.
ثالثاً: نحو منظومة سيادية جديدة وتموقع ريادي على الساحتين الإقليمية والدولية:
اقتصادياً : تحويل قطاع الدفاع والأمن إلى محرك نمو عالي القيمة المضافة، يوقف هجرة الأدمغة ويخلق موارد ضخمة من العملة الصعبة عبر تصدير التكنولوجيا السيادية لأسواق الخليج والجنوب.
أمنياً : القضاء على “سرطان التهريب” و”سلاح الهجرة” عبر الحدود الرقمية الذكية، مما يحمي التوازنات الديموغرافية والاجتماعية التونسية من تقلبات وانفلات الجوار.
سيادياً (ترابياً وطاقياً) : التموضع كقوة تكنولوجية يمنح تونس “الندية” اللازمة لمراجعة اتفاقيات الحدود والمياه والغاز المجحفة، واستعادة الحقوق التاريخية دون الدخول في صراعات استنزاف تقليدية.
دبلوماسياً : تكريس دور تونس كـ “شريك فاعل للسلم والأمن الدوليين”؛ حيث تتحول من “شاكية” من الأزمات إلى “مزودة للسلم والاستقرار” في المتوسط وافريقيا، مما يفرض احترام قرارها المستقل دولياً.
إن تونس التي تصنع ردعها، وتكرم عقولها، وتؤمن حدودها رقمياً بمهارات وذكاء وطنيين، هي الوحيدة القادرة على الانتقال من “ضحية للجغرافيا” وهيمنة الجوار إلى “سيدة للتكنولوجيا”.
السيادة في عالم 2026 لا تُمنح ولا تحمى بالقوى والتنازلات الخارجية، بل تُنتزع بالعلم والإرادة والشراكات الذكية.
* سفير سابق.



شارك رأيك