*بقلم الصخفي فاهم بوكدوس
تشهد الان المياه الدولية غرب جزيرة كريت تطوراً خطيراً يعيد إلى الواجهة طبيعة المواجهة المفتوحة بين إرادة التضامن الإنساني مع الشعب الفلسطيني وسياسات المنع والحصار. فقد بدأت القوات الصهيونية في مهاجمة سفن “أسطول الصمود الدولي” أثناء توجهها إلى قطاع غزة، حيث تعرّضت معظم القوارب لعمليات تشويش، وتمت السيطرة على عدد منها، في عملية وُصفت بأنها الأبعد من نوعها، إذ نُفذت على مسافة مئات الكيلومترات من سواحل فلسطين المحتلة.
ان هذا التصعيد لا يمكن فصله عن سياق أوسع يحاول فيه الكيان الصهيوني المؤقت فرض حصار متعدد الأبعاد، يهدف إلى عزل غزة ومنع أي فعل تضامني من الوصول إليها. غير أنّ هذه المحاولات تصطدم، في كل مرة، بإرادة دولية متجددة تُصرّ على كسر الحصار، ولو رمزياً، وتحويل الفعل التضامني إلى حدث سياسي وإعلامي يعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي.
لقد مثّلت “أساطيل كسر الحصار” عبر السنوات آلية نضال أممية متفرّدة، نجحت في إحياء القضية الفلسطينية رغم اختلال موازين القوى، خاصة في ظلّ التحالفات الإقليمية والدولية الداعمة لللكيان الصهيوني، فهذه الأساطيل لا تحمل فقط مساعدات، بل تحمل خطاباً أخلاقياً يحرج القوى المهيمنة، ويُعيد طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة والشرعية وحقوق الشعوب.
وفي هذا الإطار، تبرز رمزية خاصة للدور التونسي في هذه المبادرات. ففي السنة الماضية، كان انطلاق “أسطول الصمود” من الموانئ التونسية حدثاً دولياً بارزاً، عبّر عن عمق الارتباط الشعبي التونسي بالقضية الفلسطينية، حيث خرجت السفن محمّلة برسائل تضامن تاريخية. واليوم، وفي مفارقة مؤثرة، يتابع عدد من الذين قادوا ذلك الأسطول ما يتعرّض له الأسطول الحالي من داخل زنازينهم أو في ظل ملاحقات قضائية. غير أنّ هذه الصورة، على قسوتها، لا تعكس انكساراً، بل تكشف عن استمرارية لافتة: فرغم أن بعض قادة “أسطول الصمود” في تونس بين سجين ومتابع، يواصل تونسيون آخرون المشاركة في “أسطول الصمود 2”، في تأكيد واضح على أنّ هذه الأرض ولّادة، وأنّ روح الالتزام لا تنقطع بتغيّر الأفراد.
إنّ هذا التجدّد في الفعل التضامني يمنح الأسطول بعداً أعمق، إذ يتحوّل من مبادرة ظرفية إلى مسار متواصل، تتوارثه الأجيال وتُغذّيه قناعة راسخة بعدالة القضية الفلسطينية. وهنا تكمن القوة الحقيقية لهذه التحركات: في قدرتها على الاستمرار رغم الضغوط، وعلى إعادة إنتاج نفسها في كل مرة بأشكال جديدة ووجوه مختلفة، دون أن تفقد جوهرها.
كما أنّ الحيوية التي خلقتها هذه الأساطيل لا تقتصر على بعدها الرمزي، بل تمتد لتشكّل ضغطاً دولياً متراكماً، يُسهم في إعادة طرح القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، ويُفشل محاولات تهميشها أو تجاوزها. فهي معركة وعي بقدر ما هي معركة ميدان، تُخاض في البحر كما تُخاض في الإعلام والسياسة.
إنّ ما يجري الان ليس مجرد اعتراض لسفن في عرض البحر، بل هو تجسيد لصراع إرادات مفتوح: بين قوة ارهابية متوحشة تسعى إلى فرض الحصار، وإرادة إنسانية أممية تُصرّ على كسره. وفي هذا الإصرار، تتجدّد معاني التضامن، ويتأكد أن القضية الفلسطينية، مهما اشتدت عليها الضغوط، ستظل حيّة ما دامت تجد من يحملها ويجددها.

*ف. ب: المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين



شارك رأيك