المدرسة العمومية في تونس : أسطورة التميز وحقيقة التفاوت

مع اقتراب نهاية كل موسم دراسي، تتحول البيوت التونسية إلى ما يشبه مراكز أزمات: دروس خصوصية، سهر مطوّل، قلق أسري متصاعد. الامتحانات الوطنية على الأبواب، والضغط في أوجّه. المشهد متكرر في كل الجهات — لكن المتكرر الوحيد هو الشكل. أما الحظوظ، فتتباين تبايناً صارخاً بين أسرة وأخرى، وبين جهة وأخرى.

عبد الوهاب بن موسى *

المعهد النموذجي : امتياز أم وهم؟

منذ الثمانينيات، بنت تونس رهانها التربوي على مبدأ واضح: تجميع النخبة في مؤسسات متميزة، وتزويدها بأفضل الظروف، لإنتاج كفاءات قادرة على المساهمة في بناء الدولة. المعاهد والإعداديات النموذجية كانت الترجمة العملية لهذا الرهان. وللإنصاف، أفرز هذا النموذج أجيالاً من الأطباء والمهندسين والإطارات.

لكن  بعد أربعة عقود من أنطلق التجربة لابد من طرح السؤال بلا مجاملة: من يستفيد من هذا النظام فعلاً؟

التلميذ القادم من عائلة ميسورة في العاصمة أو صفاقس لا يصل إلى مناظرة القبول وحده — يصلها محمّلاً بسنوات من الدعم الخصوصي والمتابعة الأسرية المكثفة. أما التلميذ القادم من القصرين أو تطاوين أو الكاف، فلا يملك سوى ما أعطته إياه مدرسته العمومية: مكتظة، منقوصة الموارد، وأحياناً بلا أساتذة مستقرين.

المناظرة واحدة و لكن نقطة الانطلاق ليست كذلك. وفي هذا السياق، يبدو الحديث عن تكافؤ الفرص أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.

حين تهبط المعايير بصمت

ثمة حقيقة يعرفها المختصون وكثير من المعلمين والأولياء، لكن يصعب التصريح بها في الخطاب الرسمي: عتبات القبول في المؤسسات النموذجية تراجعت. تلاميذ يُقبلون اليوم بمعدلات كانت في السابق تعتبر دون المستوى المطلوب.

التفسير مزدوج: من جهة، ضغط إداري لملء الفصول؛ ومن جهة أخرى، إرادة سياسية معلنة لتحقيق توازن جهوي، وفتح أبواب التميز أمام الجهات الداخلية. النية في حد ذاتها محمودة. لكن الأداة خاطئة.

خفض معايير الانتقاء بدلاً من رفع مستوى التحضير في المدارس العادية لا يُعمّم التميز — بل يُميّعه. والنتيجة الموثقة على أرض الواقع، بشهادة أساتذة يعملون في هذه المؤسسات، هي فصول باتت متفاوتة المستوى بصورة لافتة. وإذا كانت النموذجية لم تعد تعني ما كانت تعنيه، فلماذا نُبقي على منظومة ثنائية تُقسّم أبناءنا مؤسسياً إلى صفّين؟

الخسارة الأكبر: ما يحدث خارج النموذجي

الأثر الأشد ضرراً لهذا النظام لا يقع داخل المؤسسات النموذجية، بل يقع في المدرسة العادية التي تُستنزف صامتة.

انتزاع المتفوقين من المدرسة العمومية يعني انتزاع محرّكاتها الداخلية. التلميذ المتميز الذي يُذكي المنافسة الإيجابية، ويرفع سقف التوقعات داخل القسم، ويدفع زملاءه إلى بذل مزيد من الجهد — هو غائب عن المدرسة العادية، لأن المنظومة قررت نقله إلى مكان آخر.

المحصلة: مؤسستان تعملان تحت سقف واحد يُسمّى المدرسة العمومية التونسية. الأولى تحمل لقب التميز لكنها فقدت جزءاً من جوهره. والثانية تشتغل في ظروف تدهور متراكم، بلا مشروع تربوي طموح، ولا موارد كافية، ولا أفق واضح.

هذه الثنائية لا يُعلنها أحد. لكن يعرفها الجميع.

المجلس الأعلى للتربية: النافذة الأخيرة

تأسيس المجلس الأعلى للتربية قرار يستحق الترحيب — لكن قيمته ستحدده مخرجاته لا هياكله. مؤسسة إضافية تُنتج تقارير تُودَع في الأدراج ليست إصلاحاً، إنها عبء آخر على الميزانية.

الرهان الحقيقي هو طرح السؤال الذي يتحاشاه الجميع منذ عقود: هل نريد مدرسة للنخبة أم مدرسة للجميع؟

الجواب الرشيد ليس في الاختيار بين الطرفين، بل في تجاوز هذه الثنائية الزائفة. المؤسسات النموذجية يمكن أن تتحول إلى مختبرات بيداغوجية تعود نتائجها على المنظومة برمّتها لا على فئة منها. ومعايير الانتقاء نفسها باتت تستوجب مراجعة جذرية: مناظرة واحدة في سن مبكرة لا تكفي لتحديد مسار طفل، وتجارب دول ناجحة تُثبت أن التميز يمكن اكتشافه وتنميته بآليات أكثر إنصافاً ودقة.

المدرسة مسألة دولة، لا تفصيل إداري

الحديث عن المدرسة في تونس ليس شأناً تقنياً يختص به التربويون. إنه سؤال مجتمعي يمس كل أسرة، في كل جهة، في كل مستوى اجتماعي. لأن المدرسة هي المكان الأول الذي يكتشف فيه الطفل التونسي إن كانت الدولة تتعامل مع أبنائها بالمساواة أم لا.

تونس اليوم أمام خيار لا يحتمل مزيداً من التأجيل: إما مدرسة تُكرّس التفاوت الاجتماعي وتُعيد إنتاجه جيلاً بعد جيل، وإما مدرسة تُترجم فعلاً ذلك الوعد القديم الذي قطعته الدولة للمواطن منذ الاستقلال — بأن يكون التعليم الجسر الأكيد نحو الفرصة المتكافئة، بصرف النظر عن الجهة والمحفظة واللقب.

المجلس الأعلى للتربية لن تُتاح له فرصة ثانية لاغتنام هذه اللحظة.

* مهندس معلومات.

للإشارة: استُعين في مرحلة الصياغة بأداة ذكاء اصطناعي  فيما تبقى الأفكار والمواقف للكاتب.

شارك رأيك

Your email address will not be published.