إن منح أفراد أمن أجانب سواء من إيطاليا أو من الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل Frontex أو من أي دولة أخرى الحق في إدارة مكاتب خاصة أو توجيه معدات متنقلة على الأراضي التونسية، يطرح إشكالا قانونيا وسياديا. لذلك، فالتواجد القار أو شبه القار لأفراد أمن أجانب في تونس تحت مسميات تنسيقية أو لوجستية يجب بيانه للتونسيين دون أدنى لبس وذلك وأدا لأي تأويلات أو استنتاجات مجانبة… حول
سامي الجلّولي *

لاحظت أن بعض التونسيين يستسهلون ما ورد في التقارير الأخيرة حول قرار مجلس الشيوخ الإيطالي. ربما قرأه البعض من زوايا حسن النية المفرطة. لكن قراءة هذا الملف تقتضي العودة إلى الجذور. فجوهر السياسة الخارجية والعقيدة العسكرية والأمنية التونسية، المستقرة منذ الاستقلال سنة 1956، يقوم على مبدأين راسخين: عدم الانحياز والرفض المطلق لأي تواجد عسكري أو أمني أجنبي قار على أراضيها، رغم الضغوط والمحاولات المتكررة لتركيز قواعد أجنبية عبر التاريخ. وما معركة الجلاء في بنزرت التي خاضتها تونس لتحرير واحدة من أهم القواعد البحرية الفرنسية في المتوسط، إلا تكريسا لهذا المبدأ.
قبل كل شيء، لزاما علينا التمييز بدقة بين التعاون العسكري الكلاسيكي وبين الصيغ المستحدثة التي تطرح اليوم…
شراكات محكومة بضوابط سيادية صارمة
تونس ليست معزولة. إذ تملك شراكات عسكرية واستراتيجية وثيقة وقنوات تعاون تاريخية مع الولايات المتحدة كحليف رئيسي من خارج الناتو، فرنسا، إيطاليا وحلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى اتفاقيات تعاون عسكري وتنسيق أمني مع تركيا، قطر… لكن هذه الشراكات كانت وستظل محكومة بضوابط سيادية صارمة.
فالملحقيات العسكرية ينحصر عملها في الإطار الدبلوماسي البحت ومقراتها داخل أسوار السفارات المحمية قانونيا باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
أما المناورات المشتركة مثل مناورات أسد إفريقيا أو Phoenix Express هي أنشطة ظرفية، مؤقتة، محددة الأهداف والزمن وبانتهائها تغادر القوات الأجنبية المشاركة فورا البلاد…
لم تسمح تونس تاريخيا بإنشاء قواعد عسكرية ثابتة أو منح مكاتب عملياتية مستقلة تتحرك بحرية خارج الإطار الدبلوماسي، لأن ذلك يمس مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية…
هنا تجدر المقارنة التاريخية. فالبعض قد لا يتذكر العاصفة السياسية والشعبية التي أثارها ملف صندوق قطر للتنمية في البرلمان التونسي قبل سنوات. تلك الأزمة لم تكن اعتراضا على طبيعة المشاريع التنموية في حد ذاتها، بل اندلعت بسبب بنود قانونية خطيرة منحت الحصانة القضائية والدبلوماسية لموظفين أجانب يعملون في مؤسسة مدنية، فضلا عن تسهيلات تملّك العقارات وتحويل الأموال دون قيود البنك المركزي…
وإذا كان المجتمع المدني والنخب السياسية قد انتفضوا آنذاك ضد اتفاقية مدنية اقتصادية خوفا من خلق حصانة أجنبية داخل الدولة واختراق السيادة القانونية، فمن الطبيعي والمنطقي جدا أن يتم التعامل مع تسريبات الإعلام الإيطالي حول مكاتب عملياتية ومعدات أمنية متنقلة بكثير من الريبة والرفض القطعي، خاصة إذا ما تم ربط هذه التحركات بنزاعات إقليمية وحسابات جيوسياسية لا ناقة لتونس فيها ولا جمل !
من حقنا أن نسأل: أين تكمن الخطورة الحقيقية في الطرح الإيطالي الحالي ؟
ما نشره الإعلام الإيطالي والذي يرتبط غالبا بملف الهجرة غير النظامية وحراسة الحدود البحرية، يتجاوز مفهوم الدعم اللوجستي التقليدي ليدفع نحو فرض واقع عملياتي ميداني هجين…
حساسية تجاه أي مظهر يعيد إلى الأذهان حقبة الحماية
إن منح أفراد أمن أجانب سواء من إيطاليا أو من الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل Frontex أو من أي دولة أخرى الحق في إدارة مكاتب خاصة أو توجيه معدات متنقلة على الأراضي التونسية، يطرح إشكالا قانونيا وسياديا مخيفا : تحت أي قانون وسلطة قضائية سيتصرف هؤلاء ؟ عادة ما يتم إعفاؤهم من تتبعات جزائية داخل الدولة المضيفة… ثم ماذا لو حرمت الدولة التونسية من بسط رقابتها على هذه المقرات ؟ عادة ما تتمتع هذه المقرات بحصانة دبلوماسية فائقة… إن القبول بهذا الطرح يعني بوضوح التأسيس لمنطقة خضراء مصغرة في تونس، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا…
علينا أن نعي أن العقيدة الشعبية والسياسية في تونس تمتلك حساسية مفرطة وتاريخية تجاه أي مظهر يعيد إلى الأذهان حقبة الحماية أو يمهد للتدخل الأجنبي المباشر تحت أي غطاء… لا تنسوا أن فرنسا قد سبقت إيطاليا لبسط الحماية على تونس… الحكاية كانت حكاية توقيت (timing)…
لذلك، فإن التخوف الذي يطرحه الناس مشروع تماما. فالتواجد القار أو شبه القار تحت مسميات تنسيقية أو لوجستية يجب بيانه للتونسيين دون أدنى لبس وذلك وأدا لأي تأويلات أو استنتاجات مجانبة…
* مستشار قانوني. صفحة المؤلف على فيسبوك.



شارك رأيك