النائب محمد علي: “دفاعا عن خالد الكريشي، دفاعا عن شروط المحاكمة العادلة

*بقلم محمد علي النائب في البرلمان التونسي

“إنّ إيقاف الأستاذ المحامي والحقوقي والفاعل السياسي الناصري خالد الكريشي يطرح من جديد أسئلة جوهرية تتعلّق بمكانة الحرية الفردية وضمانات المحاكمة العادلة في دولة القانون.

فمهما كانت طبيعة التهم أو خطورة الملفات المعروضة على القضاء، يبقى الأصل في الأنظمة القانونية الحديثة هو الحرية، بينما يمثّل سلب الحرية إجراءً استثنائياً ومقيّداً بضوابط قانونية دقيقة ومشدّدة، لأنّ المساس بحرية الإنسان هو من أخطر الإجراءات التي يمكن أن تتخذها السلطة العامة. ولذلك لم تُبنَ دولة القانون على قاعدة التوقيف والإيداع، بل على قاعدة قرينة البراءة وحقّ الدفاع وضمان حقوق المتقاضين إلى حين صدور أحكام باتّة ونهائية.

ومن هذا المنطلق، فإنّ التضامن مع خالد الكريشي لا يعني بالضرورة اتخاذ موقف من أصل الملف أو من مآلاته القضائية، بل هو تمسّك بمبادئ عامة يفترض أن تشمل الجميع دون استثناء: احترام قرينة البراءة، وضمان حق الدفاع، وتوفير كل شروط المحاكمة العادلة والعلنية والمستقلة.

كما أنّ هذا التضامن يستند إلى المسار الطويل للرجل في مجالات المحاماة والنضال الحقوقي والعمل العام. فخالد الكريشي ليس اسماً عابراً في الحياة العامة التونسية، بل هو أحد الوجوه التي ارتبطت لعقود بالدفاع عن الحقوق والحريات وبالانخراط في الشأن الوطني، وهو ما يضاعف الحاجة إلى أن تحاط كل الإجراءات المتخذة في شأنه بأقصى درجات التدقيق والشفافية والالتزام الصارم بالقانون.

ويأتي ذلك في ظرف تعيش فيه مهنة المحاماة مرحلة دقيقة وحساسة، تخوض خلالها معركة تعتبرها مصيرية دفاعاً عن استقلالية المهنة وعن الضمانات الأساسية للمتقاضين وعن دور المحامي باعتباره أحد أعمدة العدالة. وفي مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تثار المخاوف من أن تتحول التتبعات أو الإيقافات التي تطال بعض المحامين أو الوجوه المهنية البارزة إلى رسائل ضغط أو عوامل ترهيب، بما قد ينعكس سلباً على المناخ العام لممارسة المهنة وعلى استقلالية الدفاع.
وليس المقصود من إثارة هذه المخاوف إطلاق أحكام أو تبنّي استنتاجات مسبقة، وإنما التأكيد على ضرورة اليقظة في حماية التوازن الدقيق بين حق الدولة في التتبع والمحاسبة من جهة، وحق الأفراد و المحامين والحقوقيين والفاعلين في الشأن العام، في التمتع بكامل الضمانات القانونية والدستورية من جهة أخرى.

إنّ العدالة القوية ليست تلك التي تكثر فيها بطاقات الإيداع، بل تلك التي تزداد فيها ثقة المواطنين في نزاهة الإجراءات واستقلال القضاء واحترام الحقوق. كما أنّ مكافحة الفساد، مهما كانت ضرورتها، لا تكتسب مشروعيتها الكاملة إلا عندما تُمارس في إطار القانون، بعيداً عن كل شبهة انتقائية أو توظيف أو استهداف.

لذلك فإنّ الموقف المبدئي اليوم هو التمسك بحرية الأستاذ خالد الكريشي وبحقه الكامل في الدفاع عن نفسه في إطار محاكمة عادلة. فالدفاع عن الحرية وعن ضمانات التقاضي ليس دفاعاً عن شخص بعينه، وإنما دفاع عن قيم يفترض أن تحمي الجميع، لأنّ الحقوق لا تتجزأ، ولأنّ ما يُنتقص من ضمانات أي مواطن اليوم قد يصبح سابقة تُهدد ضمانات الجميع غداً”

  • المقال منشور بتاريخ اليوم الخميس 4 جوان 2026 على الحساب الرسمي للنائب محمد علي بصفحات التواصل الإجتماعي،
    *قبض رجال الأمن عشية يوم أمس الأربعاء على الأستاذ الكاتب و المحامي أمام منزله و تم ايداعه السجن.

شارك رأيك

Your email address will not be published.