مائة يوم مرّت منذ أن فُرض على شباب أسطول الصمود أن يكونوا بعيدين عن عائلاتهم وأحلامهم وحياتهم الطبيعية. مائة يوم من القلق الذي يسكن قلوب الأمهات والآباء، ومن الانتظار الذي يثقل أيام الأحبة، ومن الأسئلة التي تتكرر كل صباح: إلى متى؟
إن الحديث عن شباب أسطول الصمود لا يتعلق بمجرد أسماء أو ملفات، بل بأشخاص اختاروا أن يحملوا قضية آمنوا بها إلى الفضاء العام، وأن يعبّروا عن موقف وجد صداه دائمًا في وجدان التونسيين. اختاروا أن يكونوا جزءً من حركة تضامن إنسانية مع شعب يتعرض للحصار والقتل والتجويع، وأن يجعلوا من أفعالهم ترجمة لما ردّدته أجيال من التونسيين لعقود طويلة في الشوارع والجامعات والساحات العامة.
لقد نشأت أجيال كاملة في تونس على أن فلسطين ليست قضية بعيدة، ولا خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل قضية مرتبطة بمعاني الحرية والكرامة والعدالة، لذلك لم يكن غريبًا أن يخرج من تونس شباب يرفضون الاكتفاء بالمشاهدة، ويسعون إلى أن يكون لهم دور، مهما كان متواضعًا، في كسر العزلة المفروضة على غزة وفي إيصال رسالة مفادها أن الشعوب الحرة ما زالت حاضرة.
بعد مائة يوم من الاعتقال، لا يمكن تجاهل البعد الإنساني لهذه المأساة. هناك عائلات تعيش كل يوم على أمل خبر يبعث الطمأنينة. هناك أمهات ينتظرن عودة أبنائهن إلى موائد الطعام التي غابوا عنها طويلًا. هناك آباء يخفون وجعهم خلف الصبر والكبرياء. وهناك أصدقاء ورفاق يشعرون بأن جزءً من حياتهم معلق منذ مائة يوم،
والمؤلم أكثر أن هؤلاء الشباب لم يُعرفوا بالعنف أو بالكراهية أو بالسعي إلى الإضرار بوطنهم. على العكس تمامًا، كانوا يحملون صورة تونس إلى فضاءات التضامن الدولي، ويجعلون من اسم بلادهم حاضرًا في كل مبادرة تنحاز إلى المظلومين. كانوا يمثلون وجه تونس الذي أحبّه العالم: تونس المنفتحة، تونس المتضامنة، تونس التي تقف دائمًا إلى جانب الحق.
واليوم، وبعد مرور مائة يوم كاملة، يزداد الشعور بالحيرة والاستغراب من استمرار احتجاز بعض شباب أسطول الصمود، خاصة وأن مناضلين آخرين في نفس الملف، وهم جواهر شنة وسناء مساهلي ومحمد أمين بالنور، قد تم إطلاق سراحهم وعادوا إلى عائلاتهم وأحبائهم. وإذا كان الإفراج عن هؤلاء قد بعث الأمل في نفوس الجميع، فإنه جعل في المقابل معاناة عائلات غسان الهنشيري وغسان البوغديري ووائل نوار ونبيل الشنوفي أكثر قسوة، وهي تتابع الأيام تتوالى دون أن تلوح في الأفق نهاية واضحة لهذا الانتظار الطويل.
انه حق العائلات والرأي العام أن يتساءلوا عن الأسباب التي ما زالت تبرر استمرار احتجاز هؤلاء الشباب بعد مرور مائة يوم كاملة. فكل يوم إضافي من الحرمان من الحرية لا يمثل مجرد رقم جديد في التقويم، بل هو يوم آخر من القلق والمعاناة والانقطاع عن الحياة الطبيعية، كما أن مبدأ الإنصاف يقتضي أن تكون الحرية هي الأصل، وأن يبقى الحرمان منها إجراءً استثنائيًا لا يُمدّد إلا لضرورات واضحة ومقنعة.
إن استمرار هذه المأساة لا يجرح فقط من يقبعون خلف الجدران، بل يجرح أيضًا مشاعر اغلبية التونسيات و التونسيين الذين يرون في القضية الفلسطينية جزءً من ذاكرتهم الجماعية ومن ضميرهم الوطني، فليس من السهل على شعبٍ طالما افتخر بانحيازه لفلسطين أن يرى مناضلين من أجلها يقضون مائة يوم بعيدين عن الحرية.
لقد أثبتت التجارب أن الأفكار لا تُعتقل، وأن التضامن لا يمكن أن يتحول إلى جريمة في وجدان الشعوب، فالرجال والنساء الذين يختارون الوقوف إلى جانب المظلومين قد يُمنعون من الحركة لبعض الوقت، لكن الرسالة التي يحملونها تظل حية في قلوب الناس.
ولذلك فإن مرور مائة يوم لا يجب أن يكون مجرد رقم جديد يضاف إلى التقويم، بل لحظة للتوقف والتفكير في حجم المعاناة التي طالت أكثر مما ينبغي.
كما أن طول أمد الاحتجاز لا يمسّ الموقوفين وحدهم، بل ينعكس على محيطهم العائلي والاجتماعي بأكمله، فهناك أسر تعيش منذ أكثر من ثلاثة أشهر تحت ضغط نفسي متواصل، وأطفال حُرموا من وجود آبائهم إلى جانبهم، وأمهات وآباء ينتظرون لحظة اللقاء بفارغ الصبر. ومهما كانت الاعتبارات القانونية، فإن البعد الإنساني يظل حاضرًا بقوة، ويفرض البحث عن حلول تراعي قيم الرحمة والإنصاف والكرامة.
إن إنهاء هذه المظلمة اليوم ليس مطلبًا لفئة دون أخرى، بل هو مطلب إنساني وأخلاقي قبل كل شيء. هو انتصار لقيم الرحمة والإنصاف، وانسجام مع تاريخ تونس الطويل في نصرة القضايا العادلة، وهو أيضًا وفاء لذاكرة شعب لم يتردد يومًا في إعلان انحيازه إلى فلسطين وإلى كل الشعوب التي تناضل من أجل الحرية.
في الذكرى المائة لاعتقال شباب أسطول الصمود، تتجدد الدعوة إلى إطلاق سراح غسان الهنشيري وغسان البوغديري ووائل نوار ونبيل الشنوفي، واستكمال المسار الذي بدأ بالإفراج عن جواهر شنة وسناء مساهلي ومحمد أمين بالنور، حتى تطوى هذه الصفحة المؤلمة بشكل كامل، فمائة يوم كانت كافية لتكشف حجم المعاناة، وكافية لتؤكد أن مكان هؤلاء الشباب ليس خلف الأبواب المغلقة، بل بين أهلهم وأحبائهم، وفي قلب المجتمع الذي آمنوا به وخدموا قضاياه.
الحرية لنبيل الشنوفي
الحرية لوائل نوار
الحرية لغسان الهنشيري
الحرية لغسان البوغديري
الحرية لشباب أسطول الصمود.
الحرية بعد مائة يوم من الانتظار.
الحرية لأن هذه المظلمة طالت أكثر مما ينبغي.



شارك رأيك