كيف اكتسح تونسيون مشاريع الألياف الضوئية في فرنسا؟

كثيرا ما نسمع بسيطرة التونسيين المقيمين بفرنسا على قطاع المخابز… وكثيرا ما نسمع عن الأطباء والممرضين التونسيين الذين اكتسحوا المستشفيات والمصحات الفرنسية… وعن المهندسين المتواجدين بكبرى شركات الهندسة التكنولوجية الفرنسية… لكن نضيف إليهم اليوم اكتساحا آخر !

سامي الجلّولي *

يتمثل هذا الاكتساح في سيطرة شبه مطلقة لرجال أعمال من أصول تونسية أو فروع شركات تونسية، في الاستحواذ على سوق تمديد الألياف البصرية (fibre optique) في فرنسا.

لم يحدث ذلك عن طريق الصدفة، بل جاء ثمرة مجهودات كبيرة من الخبرة، الثقة والجدية في العمل… مزيج بين الكفاءة التقنية العالية والنموذج الاقتصادي التنافسي…

زعمة كيفاش وعلاش ؟

من المخابز إلى الألياف الضوئية !

تمتلك تونس تاريخيا مدارس مهندسين ومراكز تكوين تقني ذات سمعة ممتازة جدا دوليا في مجال الاتصالات، مثل المدرسة العليا للمواصلات بتونس Sup’Com وعديد المعاهد التقنية… وقد تم تدريب أعداد هائلة من الفنيين والمهندسين التونسيين على شبكات الألياف البصرية منذ سنوات لصالح المشغلين المحليين إتصالات تونس، أورنج، أوريدو أو لمشاريع في الشرق الأوسط وإفريقيا…

لهذا، عندما أطلقت فرنسا خطتها الضخمة لتغطية البلاد بالألياف البصرية والتي تطلبت ربط ملايين المنازل في وقت قياسي، كانت الشركات التي يمتلكها تونسيون تمتلك فرقا جاهزة ومستعدة للعمل فورا… ليس في المدن والقرى فحسب، بل حتى في الأرياف وفي مختلف الأوضاع البيئية والجغرافية الصعبة…

أما النقطة التجارية الأهم، فهي اختراق التونسيين لمنظومة العقود في فرنسا. المبدأ تقوم الشركات الكبرى صاحبة المشاريع مثل Orange و SFR و Bouygues و Free بإسناد الأسواق إلى عمالقة البنية التحتية مثل Circet أو Solutions 30 أو Sogetrel… وهنا نجح المقاولون التونسيون في تأسيس شركات أشغال عامة (TP) واتصالات في فرنسا قادرة على اقتناص هذه العقود، سواء من الدرجة الأولى أو عبر المناولة من الدرجتين الثانية والثالثة…

المعرفة التقنية في هندسة الاتصالات

أما النقطة الرابعة فهي مرونة هذه الشركات على المستوى الإداري والتشغيلي وسرعتها في تلبية الشروط القاسية التي تفرضها الشركات الكبرى… ليس هذا فقط، بل إن عديد مكاتب الدراسات الفنية والتقنية المسؤولة عن هذه المشاريع تتخذ من تونس مركزا لها (nearshore) لخفض تكاليف الهندسة والتصميم مع الحفاظ على جودة عالية…

جمع التوانسة بين المعرفة التقنية في هندسة الاتصالات التي اكتسبوها في جامعات تونس والعلاقات العامة واليد العاملة المرنة والسريعة في الميدان بفرنسا… هذا المزيج خلق توازنا مثاليا لاختراق سوق فرنسية صعبة جدا وسط فضاء أوروبي مثقل بالمنافسة الشديدة…

أحد مالكي هذه الشركات قال لي بأن التوانسة سيسيطرون على مشاريع الكابلات الدولي… لا فقط البري بل البحري… لا تنسوا أن في تونس أحد أكبر المراكز للحام البحري جنوب المتوسط…

شكرا عقول وسواعد تونس…

* مستشار قانوني.


شارك رأيك

Your email address will not be published.