*بقلم فاهم بوكدوس
مرّ اليوم الأول من إضراب قطاع البنوك والتأمين بنجاح ساحق، وهو ما يؤكد تمسك العاملات والعمال بحقهم الدستوري والنقابي في الدفاع عن مطالبهم المهنية والاجتماعية، غير أن هذا النجاح لا يعفي من الإنصات إلى الانتقادات والأسئلة التي طُرحت حول توقيته وأشكال تنفيذه وآثاره على بقية فئات المجتمع، بل إن الحركة النقابية القوية هي التي تحاور هذه الانتقادات وتناقشها بعقلانية ومسؤولية.
أولاً، لا خلاف حول أن الإضراب حق دستوري ومكسب تاريخي انتزعته الحركة العمالية عبر نضالات طويلة، وعندما تلجأ إليه النقابات فإنها لا تفعل ذلك ترفاً أو رغبة في إرباك حياة المواطنين، وإنما بعد استنفاد مسارات التفاوض ومحاولة إيجاد حلول تحفظ حقوق الشغالين. لذلك فإن التشكيك في أصل الحق في الإضراب أو تصويره كفعل غير مشروع لا يخدم الحوار الاجتماعي ولا يساعد على معالجة أسباب الاحتقان.
في المقابل، من المشروع أن يطرح المواطن الذي تعطلت مصالحه أو تأخرت جرايته تساؤلات حول انعكاسات هذا الإضراب عليه، فالشغالون والمتقاعدون ليسوا خصوماً لأعوان البنوك والتأمين، بل ينتمون جميعاً إلى عالم الأجراء الذي يواجه في السنوات الأخيرة تراجعاً متواصلاً في القدرة الشرائية وارتفاعاً غير مسبوق في كلفة المعيشة. غير أن طبيعة الإضراب، باعتباره وسيلة نضالية جماعية، تقوم أساساً على إحداث ضغط فعلي يدفع الطرف المقابل إلى التعامل الجدي مع المطالب المطروحة. فالإضراب الذي لا يترتب عنه أي أثر أو تعطيل يفقد جانباً كبيراً من قدرته على التأثير وتحقيق أهدافه. لذلك فإن ما ينجم عنه من اضطراب مؤقت في بعض الخدمات ليس غاية في حد ذاته، بل نتيجة ملازمة لآلية الضغط التي تلجأ إليها النقابات عندما تستنفد مسارات الحوار والتفاوض.
ومن هذا المنطلق فإن النقابيين مطالبون دائماً بأخذ الأثر الاجتماعي لتحركاتهم بعين الاعتبار وشرح مبرراتها للرأي العام، دون أن يعني ذلك التخلي عن فعالية الإضراب أو إفراغه من مضمونه كوسيلة ضغط مشروعة وضرورية للدفاع عن الحقوق والمطالب المهنية والاجتماعية.
غير أن النقاش لا يجب أن ينزلق إلى مفاضلة بين فئات الأجراء أو إلى تقسيمهم إلى مستحقين للتضامن وغير مستحقين له. فالمبدأ النقابي يقوم على أن حق العامل في تحسين أجره وظروف عمله لا يسقط لأن هناك عاملاً آخر يتقاضى أجراً أقل. وإذا قبلنا هذا المنطق فإننا سندخل في منافسة بين الفقراء بدلاً من توجيه الجهد نحو معالجة الاختلالات الحقيقية في توزيع الثروة والدخل. إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بحرمان فئة من حقوقها، وإنما بالارتقاء بأوضاع الفئات الأكثر هشاشة دون المساس بحقوق غيرها.
كما أن تحميل الأجراء مسؤولية الأرباح الكبيرة التي تحققها المؤسسات التي يعملون بها يمثل خلطاً بين رأس المال والعمل، فإذا كانت البنوك تحقق أرباحاً مرتفعة، فإن النقاش يجب أن يتجه نحو السياسات الجبائية والاقتصادية وآليات إعادة توزيع الثروة، لا نحو التشكيك في حق العاملين فيها في المطالبة بنصيب عادل من القيمة التي يساهمون في إنتاجها.
أما القول بأن الإضراب يجب أن يوجّه حصراً ضد أصحاب العمل أو الدولة دون أن ينعكس على المجتمع، فهو من حيث المبدأ هدف مشروع تسعى إليه كل النقابات، لكن واقع العلاقات المهنية يبيّن أن فعالية الإضراب ترتبط بقدرته على إحداث ضغط اقتصادي واجتماعي يدفع الأطراف المعنية إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض والبحث عن حلول جدية. لذلك يبقى النقاش مفتوحاً حول أنجع الأشكال النضالية وأقلها كلفة على المواطنين، وهو نقاش ينبغي أن يُدار داخل الحركة النقابية وخارجها بروح بناءة لا بروح التخوين أو التشويه.
إن أخطر ما يمكن أن تفرزه مثل هذه المحطات هو تنامي الحقد الاجتماعي بين فئات الأجراء وتحويل الصراع من نقاش حول توزيع الثروة والحقوق إلى مواجهة بين موظف ومتقاعد، أو بين عامل في قطاع وآخر في قطاع مختلف، فالتجربة أثبتت أن تفتيت التضامن بين الشغالين لا يفيد إلا الأطراف التي تستفيد من استمرار الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
إن الموقف النقابي المسؤول يجمع بين أمرين متلازمين: الدفاع الصارم عن حق أعوان البنوك والتأمين في النضال من أجل مطالبهم المشروعة، والتعبير في الوقت نفسه عن التفهم لانشغالات المواطنين المتضررين من الإضراب وتوضيح أن الهدف من التحرك ليس الإضرار بهم، بل ممارسة ضغط مشروع من أجل تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية بما يخدم، في نهاية المطاف، مصالح الشغالين عموماً.
ان التضامن النقابي الحقيقي لا يقتصر على مساندة القطاع عندما يناضل، بل يشمل أيضاً الدفاع عن حق جميع الأجراء والمتقاعدين في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.
إن القضية ليست من يستحق التعاطف أكثر، ولا أي فئة من الأجراء أحق بالدعم من غيرها، بل كيف نبني مجتمعاً تكون فيه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مكفولة للجميع، وتكون فيه الثروة موزعة بشكل أكثر عدلاً، ويظل فيه التضامن بين الشغالين أقوى من كل محاولات التفريق بينهم”.
فاهم بوكدوس، الرئيس التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين



شارك رأيك