لم تبدُ خسارة الفريق الوطني لكرة القدم في كأس العالم 2026 مجرد هزيمة مباراة، بل بدت لكثيرين وكأنها هزة أصابت المجتمع بأسره. فحين تضيق مساحات النجاح الجماعي، تصبح الرموز الوطنية محمّلة بأكثر مما تحتمل، وتتحول نتائجها إلى مرآة تعكس آمال الناس ومخاوفهم.
العقيد محسن بن عيسى *

عندما يُهزم المنتخب الوطني، لا يتأثر الناس بمجرد نتيجة فحسب. إنهم يشعرون بأن شيئاً أعمق قد انكسر، شيئاً يصعب تسميته، لكنه يجعل كرة القدم أكثر من مجرد رياضة، ويجعل كأس العالم مرآةً ترى الأمم فيها صورتها كما تتخيلها، أو كما تتمنى أن تكون. في كثير من الدول النامية، لا يُنظر إلى كأس العالم بوصفه بطولةً رياضية فحسب، بل باعتباره فرصةً لإثبات الذات الوطنية وانتزاع الاعتراف الدولي. أما في الدول المتقدمة، فهو جزء من مشروع رياضي واقتصادي مستمر، أكثر منه اختبارًا للهوية أو المكانة بين الأمم.
كرة القدم مرآة للهوية الوطنية
يوجد طبعا داخل كل مجتمع انقسامات سياسية وفكرية واجتماعية، لكن المنتخب الوطني يمثل مساحة نادرة يلتقي فيها الجميع حول هوية واحدة. ولهذا ترى أشخاصًا يختلفون في كل شيء تقريبًا، ثم يقفون جنبًا إلى جنب عندما يُعزف النشيد الوطني أو عندما تهتز شباك المنافس بهدف يحمل ألوان الوطن.
في هذا السياق يبحث الإنسان حيث ما كان عن الاعتراف والانتماء والنجاح الجماعي، بالرغم من أنّ الانتصار في حد ذاته لا يغير الضغوط الاقتصادية ولا يحل القضايا الاجتماعية، لكنه يمنح شعورًا رمزيًا بأن الفريق الذي ينتمي إليه استطاع أن ينتصر على منافسٍ آخر في ساحة يتابعها العالم بأسره. ولهذا رأى علماء الاجتماع أن الرياضة الحديثة تؤدي أحيانًا وظيفة كانت تؤديها “الطقوس الجماعية” في المجتمعات القديمة، من خلال إنتاج شعور مشترك بالانتماء والفخر.
ولعل سر الشعبية الجارفة لكرة القدم هو تحولها إلى لغة عالمية مشتركة، تتجاوز الحدود واللغات والثقافات. فهي لا توحد أبناء الوطن الواحد فحسب، بل تساهم في بناء جسور التواصل بين الشعوب، حتى ليبدو أحيانًا أن المستطيل الأخضر أكثر قدرة على التقريب بين الأمم من كثير من المنابر السياسية والدبلوماسية.
لقد تحولت الرياضة إلى جانب دورها في صناعة الانتماء والهوية، إلى قوة اقتصادية عالمية لا يقل تأثيرها الاقتصادي عن أبعادها الثقافية والاجتماعية. ومن هنا يبرز سؤال : متى تتحول الرياضة لدينا من إدارة يومية للأزمات إلى مشروع وطني طويل المدى؟ فالبلاد في حاجة إلى استراتيجية شاملة تُؤسس لمنظومة حديثة وشفافة.
كرة القدم ومسؤولية الخطاب
في هذا السياق، يستدعي الوضع الحالي تحولًا حقيقيًا في الرؤية والحوكمة والممارسة. ولا يقتصر هذا التحول على الجوانب التنظيمية والفنية فحسب، بل يشمل أيضًا الخطاب العام المحيط بالرياضة. فالتدخلات والتصريحات تتراوح بين ما هو مشرّف ومحفّز وله سنده التاريخي، وما هو مؤسف يسيء إلى صورة كرة القدم وإلى الذوق العام. ففي زمن الإعلام المفتوح، لم تعد المكانة الرياضية وحدها كافية لبناء المصداقية، إذ أصبحت الكلمة نفسها جزءًا من المسؤولية.
على هذا المعنى لم تبدُ خسارة الفريق الوطني هذه المرة مجرد هزيمة مباراة، بل بدت لكثيرين وكأنها هزة أصابت المجتمع بأسره. فحين تضيق مساحات النجاح الجماعي، تصبح الرموز الوطنية محمّلة بأكثر مما تحتمل، وتتحول نتائجها إلى مرآة تعكس آمال الناس ومخاوفهم.
لم تكن الخيبة بسبب النتائج وحدها، بل على ما أوحت به من شعور متراكم بأننا نفقد شيئًا من قدرتنا على الصعود، وأننا نقف مرة أخرى أمام منعطف يفرض علينا التساؤل والمراجعة. لقد كان وقع الخسارة أكبر من حجمها الرياضي، لأنها لامست أسئلة أعمق تتعلق بالثقة والإنجاز والصورة التي نريدها لبلادنا ولأنفسنا ولأجيالنا الصاعدة.
كرة القدم قضية أمن قومي
لا تُقاس الأمم بلحظة تعثر، ولا تُختزل في خسارة صادمة. فما يصنع مستقبلها ليس نتيجة مباراة، بل قدرتها على مراجعة نفسها، والتعافي من وهم الإنجازات التاريخية، وتحويل فشل الحاضر إلى حافز لاستعادة أسباب النجاح. فالإخفاق ليس قدرًا محتومًا، بل درسًا ينبغي استيعابه والبناء عليه. والأمم الحية تُعرف بقدرتها على النهوض كلما تعثرت، وبإرادتها في تصحيح أخطائها قبل البحث عن المُبرّرات.
لكن المشهد أعقد مما يبدو، فالوضع الراهن يطرح جملةً من الإشكاليات التي تستدعي التوقف عندها. فحين تتقدم المصالح الشخصية أو الجمعياتية على المصلحة العامة، يصبح النجاح استثناءً بدل أن يكون نتيجة طبيعية للعمل الجاد والتخطيط السليم.
يبدأ الإصلاح الحقيقي حين ندرك أن النهوض بالرياضة ليس مسؤولية اللاعبين أو المدربين وحدهم، وأن الرياضة لم تعد ترفًا أو نشاطًا ترفيهيًا هامشيًا، بل أصبحت قضية أمن قومي لأنها تتقاطع مع الصحة العامة، والاقتصاد، وصورة الدولة في العالم، فضلاً عن دورها الحاسم في الاستقرار الاجتماعي.
ومن هذا المنظور السيادي، لا يمكن تحصين هذا الأمن بأدوات تسيير هاوية، إذ يتجلى المأزق الأكبر في سيطرة عقلية الارتجال (l’amateurisme) على مفاصل قطاع يمس ملايين الشباب، مما يفسر حالة التذمر والتشكي المستمر من منظومة نعيش عصرنتها على الورق، وعشوائيتها في الواقع.
فحين تعجز الهياكل عن التخطيط الإستراتيجي، وتتحول القرارات إلى ردود أفعال مرتجلة، لا يقتصر الفشل على المستطيل الأخضر، بل يتحول الاحتقان الرياضي وغياب العدالة إلى وقود يغذي النعرات والتعصب والعنف في المدارج والشارع، ليصبح عبئاً حقيقياً يهدد السلم الاجتماعي ومصداقية مؤسسات الدولة.
وليس لي أن أذكر أنه حين تتكلم الراية، لا تتكلم باسم فريق أو نتيجة أو لحظة عابرة، بل باسم وطن بأكمله، وباسم ذاكرة مشتركة وآمال معلقة على المستقبل. وحينها يصبح الانتصار أكثر من هدف، وتصبح الخسارة أكثر من هزيمة، لأن ما يكون على المحك ليس مجرد مباراة، بل صورة وطن في أعين أبنائه.
* ضابط متقاعد في الحرس الوطني.



شارك رأيك