تناولت خطبة الجمعة تدوينة الد. سلوى الشرفي، كمال العيادي يعلق…

خطبة الجمعة اليوم تناولت التدوينة التي نشرتها أستاذة جامعية حول الرسول ﷺ والسيدة عائشة رضي الله عنها.


ولأن هذا الموضوع لم يعد مجرد نقاش عابر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح محل تناول في منابر كهذه، فقد رأيت -بعد تردد طويل ، أن أبدي رأيًا متواضعًا بشأن هذه التدوينة التي قوبلت بموقف متشدد من بعض الأطراف باعتبار أنها مست أحد مقدسات الأمة بأسلوب ساخر. وفي المقابل، عبّر عدد من المثقفين عن مساندتهم المطلقة للأستاذة، مؤكدين حقها في حرية التعبير، ومنددين في الوقت ذاته بردود الفعل المتطرفة.

لست من هؤلاء ولا من أولئك.
من جهة، أستغرب مساندة هذا النوع من الخطاب من قبل بعض المثقفين، مع إيماني الكامل بحق الإنسان في تناول أي موضوع، مهما بلغت حساسيته أو قداسته، شريطة أن يستند إلى الرواية التاريخية، وأن يُصاغ بلغة رصينة ومحترمة، بعيدًا عن الاستفزاز أو السخرية.

ومن جهة أخرى، أستغرب أن تصدر مثل هذه التدوينة عن أستاذة جامعية، لما يفترضه هذا الموقع العلمي من مسؤولية في اختيار الألفاظ وتقدير أثر الخطاب العام.

وأعتبر، من وجهة نظري، أن ما نُشر لا يرتقي إلى مستوى الرأي الفكري أو التدوينة الرصينة، بل هو أقرب إلى نزوة فكرية عابرة أكثر منه إلى موقف فكري متماسك، وهو تقييم للمحتوى وحده، وليس حكمًا على الشخص ذاته أو علي النوايا.

وسأوضح بإيجاز الأسباب التي دفعتني إلى هذا التقييم.

بداية، إن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بـ”رئيس الدولة”، ثم البناء على أن السيدة عائشة رضي الله عنها اختارته زوجًا بسبب هذه الصفة، لا يستقيم تاريخيًا. فهذه الصفة لم ترد في المصادر الإسلامية بهذا المعنى، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج السيدة عائشة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، حين كان محاصرًا من قريش ومهددًا بالقتل، ولم يكن يتولى سلطة سياسية أو عسكرية أو إدارية، وإنما كانت مكانته مستمدة من رسالته ونبوته.

أما إذا كان استعمال عبارة “رئيس الدولة” مجرد استعارة ساخرة، فلا أحد ينكر حق أين كان في توظيف الأساليب البلاغية المختلفة، بما فيها السخرية كأسلوب صحفي متعارف عليه. لكن للسخرية أيضًا شروطها وأدواتها، وفي تقديري لم تضف هنا شيئًا إلى الفكرة، بل جاءت على حساب قيمتها.

ثم إن صاحبة التدوينة تقع، في تقديري، في تناقض واضح؛ فهي تدين زواج السيدة عائشة باعتبارها طفلة لا تملك حرية الاختيار، ثم تنسب إليها في الوقت نفسه قدرة على اختيار زوجها استنادًا إلى مركزه المفترض كرئيس للدولة.

كما أغفلت أن الزواج تم في سن مبكرة، بينما تأخر الدخول بها إلى مرحلة لاحقة. وتختلف المصادر التاريخية في تحديد عمرها عند الدخول؛ فبينما تعتمد الرواية الأشهر سن التاسعة، يرى عدد من الباحثين المعاصرين، استنادًا إلى قرائن تاريخية، أنها كانت أكبر سنًا، وقدّر بعضهم عمرها بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة. وهو خلاف تاريخي معروف لا يزال محل نقاش بين المختصين.

كما أن السيدة عائشة رضي الله عنها هي ابنة أبي بكر الصديق، أحد أبرز سادة قريش وأقرب الناس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تولى تزويجها. ومن الصعب تصور أنه كان ليقدم على هذا الزواج لو اعتقد أنه ينطوي على ظلم أو ضرر لها، وفق ما كان سائدًا من أعراف ذلك العصر.

وأضيف هنا رأيًا شخصيًا، والله أعلم. لو كانت هذه الزيجة تتعارض مع مقاصد الرسالة أو تمثل ظلمًا بيّنًا، فمن الصعب تصور أن القرآن كان سيسكت عنها، وهو الذي عاتب النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف أخرى، كما في سورة عبس، في مسائل أقل شأنًا من هذه.

ولذلك، فإن الحكم على وقائع تاريخية مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا ينبغي أن يتم في سياقها التاريخي والاجتماعي، لا من خلال إسقاط معايير العصر الحاضر عليها، مع بقاء حق الباحثين كاملًا في دراسة تلك الوقائع ومناقشتها بمنهج علمي رصين ولغة تحترم الأشخاص والوقائع التاريخية.

أما فيما يتعلق بمعركة الجمل ودور السيدة عائشة فيها

كنت أتمنى أن تكون كاتبة التدوينة قد رجعت إلى مراجع تاريخية رصينة، وفي مقدمتها كتاب «الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر» للمؤرخ الراحل هشام جعيط المعروض في المكتبات منذ ثلاث عقود، أو كتاب «الفتنة الكبرى» لطه حسين بجزأيه «عثمان» و«علي وبنوه». فهذه الأعمال تعرض سياق تلك المرحلة وتعقيداتها بصورة أعمق.

وتبين هذه المراجع أن المعركة التي خاضتها السيدة عائشة السيدة عائشة بصفة رمزية علي ظهر الجمل كان برفقة طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام للمطالبة من أجل القصاص من قتلة عثمان بن عفان، انطلاقًا من اعتقادهم أن ذلك يجب أن يكون أولوية بعد تولي علي بن أبي طالب الخلافة. أما علي رضي الله عنه، فكان يرى أن الظروف السياسية والأمنية لم تكن تسمح بذلك قبل استعادة الاستقرار، خشية اتساع دائرة الفتنة، وهو ما يشبه في الفكر السياسي المعاصر ما يُعرف بـ (Dirty Hands Dilemma)؛ أي الاضطرار إلى الاختيار بين بدائل كلها مكلفة أخلاقيًا وسياسيًا.

ولو رجعت صاحبة التدوينة إلى هذه المراجع، لتبين لها أن الذين تشير إلي مقتلهم علي يد السيدة عائشة في واقعة الجمل هم قتلة عثمان وكانوا منطلقًا لأحداث الفتنة الكبرى التي توالت مراحلها لاحقًا، ولا تزال الأمة، في نظر كثير من المؤرخين، تعاني بعض آثارها الفكرية والسياسية إلى اليوم.

فقد كان هؤلاء من كبار حفاظ القرآن، وعُرفوا بالورع والتدين، لكن بعضهم انزلق إلى الغلو، إلي حد وصل بهم إلي تكفير عددًا من كبار الصحابة، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب بعد أن آصطفو معه في حربه ضد معاوية. واضطر علي إلى قتالهم لاحقًا بعدما انقلبوا عليه إثر قبوله مبدأ التحكيم بعد رفع المصاحف على أسنة الرماح من قبل جنود معاوية، معتبرين أن ذلك يخالف حكم الله، ورافعين شعارهم المعروف: «لا حكم إلا لله»، وهو فهم رفضه علي، وعدّه خروجًا عن مقاصد الشرع وسوءًا في تأويل النصوص.

وفي الختام… كلمة لهؤلاء، وكلمة لأولئك.

لا أدعي، شخصيًا، أنني مرجع في هذا المجال، فلكل اختصاصه، واختصاصي علمي وتقني، بعيد عن مجالات الأدب والعلوم الإنسانية. ومع ذلك، كنت أتمنى أن أجد عند قراءة ما يكتبه أساتذة هذه الاختصاصات ما يثري معرفتي ويعمق فهمي. ولهذا قرأت عددًا لا بأس به من الكتب والمراجع التي تناولت هذه الحقبة من التاريخ الإسلامي، لا بهدف الدفاع عنها أو إدانتها، وإنما لفهمها في سياقها التاريخي والإنساني، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو القراءات الانتقائية.
وفي المقابل، فإن هذه الوقائع التاريخية، على ما تثيره من أسئلة، لم تهز إيماني بقدسية الرسالة المحمدية. فهناك، في تقديري، فرق بين الرسالة الإسلامية باعتبارها منظومة من المبادئ والمقاصد والقيم، وبين تنزيلها في واقع بشري تحكمه ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية معينة. كما أن هناك فرقًا بين الصحابة بوصفهم حملة رسالة ومراجع دينية، وبين دورهم لاحقًا كقادة سياسيين أوكلت إليهم مسؤولية إدارة الدولة، وهي مهمة لا تخلو، بطبيعتها، من الاجتهاد والتقدير، وما يرافقهما أحيانًا من اختلافات
الفكر السياسي والفلسفي المعاصر تناول هذه الإشكالية فيما يُعرف بمعضلة الأيدي القذرة، وهي نظرية فلسفية وسياسية تناقش الحالات التي قد يجد فيها رجل الدولة نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرارات أخلاقية بالغة الصعوبة، أو القيام بأفعال يرفضها في الظروف العادية، اعتقادًا منه بأنها تحول دون وقوع شر أكبر.

أما لأولئك الذين يتبنون قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي، فأقول: من حقكم، بل من حق كل باحث، أن يقرأ التاريخ قراءة نقدية، وأن يناقش حتى القضايا الدينية بمنهج علمي. لكن عندما تتحول هذه القراءة إلى نزعة يغلب عليها التحقير أو الرغبة في الاستفزاز والإساءة المجانية، فإنها تغادر ميدان الفكر الرصين إلى ميدان الانفعال والعاطفة. وحينئذ يصبح من الطبيعي أن تستفز مشاعر الآخرين وتستدعي ردود فعل عاطفية، حتى وإن كنا نرفض كل أشكال التطرف أو العنف في التعبير عنها.
النقاش الجاد لا يُبنى على الاستفزاز، كما أن الدفاع عن المقدسات لا يكون بالتهديد أو التكفير. وبين هذين الطرفين تبقى الحاجة قائمة إلى خطاب عقلاني يحترم حرية البحث، ويصون في الوقت
ذاته كرامة الناس ومعتقداتهم.
وفي الختام ودون إصدار أحكام حول صاحبة التدوينة لعدم معرفتي بها ولا بنواياها لكن يجوز لي تقييم ما دونت فإن هذه التدوينة التافهة بكل المقاييس العلمية والأخلاقية لا تستحق كل هذه الظوظاء وتمنيت لو نسخر طاقتنا لما هو أهم…
علمي وتقني، بعيد عن مجالات الأدب والعلوم الإنسانية. ومع ذلك، كنت أتمنى أن أجد عند قراءة ما يكتبه أساتذة هذه الاختصاصات ما يثري معرفتي ويعمق فهمي. ولهذا قرأت عددًا لا بأس به من الكتب والمراجع التي تناولت هذه الحقبة من التاريخ الإسلامي، لا بهدف الدفاع عنها أو إدانتها، وإنما لفهمها في سياقها التاريخي والإنساني، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو القراءات الانتقائية.
وفي المقابل، فإن هذه الوقائع التاريخية، على ما تثيره من أسئلة، لم تهز إيماني بقدسية الرسالة المحمدية. فهناك، في تقديري، فرق بين الرسالة الإسلامية باعتبارها منظومة من المبادئ والمقاصد والقيم، وبين تنزيلها في واقع بشري تحكمه ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية معينة. كما أن هناك فرقًا بين الصحابة بوصفهم حملة رسالة ومراجع دينية، وبين دورهم لاحقًا كقادة سياسيين أوكلت إليهم مسؤولية إدارة الدولة، وهي مهمة لا تخلو، بطبيعتها، من الاجتهاد والتقدير، وما يرافقهما أحيانًا من اختلافات
الفكر السياسي والفلسفي المعاصر تناول هذه الإشكالية فيما يُعرف بمعضلة الأيدي القذرة، وهي نظرية فلسفية وسياسية تناقش الحالات التي قد يجد فيها رجل الدولة نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرارات أخلاقية بالغة الصعوبة، أو القيام بأفعال يرفضها في الظروف العادية، اعتقادًا منه بأنها تحول دون وقوع شر أكبر.

أما لأولئك الذين يتبنون قراءة نقدية للتاريخ الإسلامي، فأقول: من حقكم، بل من حق كل باحث، أن يقرأ التاريخ قراءة نقدية، وأن يناقش حتى القضايا الدينية بمنهج علمي. لكن عندما تتحول هذه القراءة إلى نزعة يغلب عليها التحقير أو الرغبة في الاستفزاز والإساءة المجانية، فإنها تغادر ميدان الفكر الرصين إلى ميدان الانفعال والعاطفة. وحينئذ يصبح من الطبيعي أن تستفز مشاعر الآخرين وتستدعي ردود فعل عاطفية، حتى وإن كنا نرفض كل أشكال التطرف أو العنف في التعبير عنها.
النقاش الجاد لا يُبنى على الاستفزاز، كما أن الدفاع عن المقدسات لا يكون بالتهديد أو التكفير. وبين هذين الطرفين تبقى الحاجة قائمة إلى خطاب عقلاني يحترم حرية البحث، ويصون في الوقت
ذاته كرامة الناس ومعتقداتهم.
وفي الختام ودون إصدار أحكام حول صاحبة التدوينة لعدم معرفتي بها ولا بنواياها لكن يجوز لي تقييم ما دونت فإن هذه التدوينة التافهة بكل المقاييس العلمية والأخلاقية لا تستحق كل هذه الظوظاء وتمنيت لو نسخر طاقتنا لما هو أهم.

شارك رأيك

Your email address will not be published.