النائب محمد علي : قراءة في وثيقة “التنمية المجالية” ضمن مشروع مخطط التنمية 2026-2030

مدخل: التنمية المجالية بين المرجعية التقنية والرهان السياسي:


تكتسي وثيقة التنمية المجالية، باعتبارها إحدى الوثائق المرجعية لمشروع مخطط التنمية 2026-2030، أهمية خاصة لكونها تقدم الرؤية التي تقترحها الدولة لإعادة تنظيم المجال الترابي وتحقيق التنمية بين مختلف الجهات والأقاليم خلال السنوات القادمة. فهي لا تقتصر على تشخيص واقع التنمية الجهوية، بل تسعى إلى تأسيس تصور جديد للتخطيط يقوم على العدالة المجالية والتخطيط التصاعدي وتثمين الخصوصيات الترابية، وهي مبادئ يقدمها مشروع المخطط باعتبارها امتدادًا للتوجه السياسي الذي تتبناه السلطة الحالية والقائم على مفهوم الدولة الاجتماعية، باعتباره بديلًا عن المنوال التنموي الذي حكم البلاد خلال العقود الماضية.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة هذه الوثيقة لا ينبغي أن تقتصر على تقييم جودة تشخيصها أو سلامة مقترحاتها، وإنما يتعين أيضًا مساءلة مدى انسجامها مع المرجعية السياسية التي يستند إليها مشروع المخطط، ومدى قدرتها على ترجمة المبادئ المعلنة إلى سياسات عملية قابلة للقياس والتنفيذ. فوثيقة التنمية المجالية ليست مجرد نص تقني، وإنما هي وثيقة سياسية تعكس تصور الدولة لدورها في تحقيق التنمية وإعادة توزيع فرصها بين المجالات الترابية.
أولًا: تشخيص دقيق للاختلالات المجالية… ولكن دون تقييم لسياسات السلطة القائمة:
لا شك أن أول ما يلفت الانتباه في الوثيقة هو اتساع التشخيص ودقته. فهي تعترف بصورة واضحة بأن الفوارق التنموية بين الجهات لم تتراجع رغم تعدد البرامج والمشاريع العمومية، وأن ترتيب الولايات والمعتمديات وفق مؤشرات التنمية ظل شبه ثابت، بما يعني أن السياسات العمومية لم تنجح في تغيير الخريطة التنموية للبلاد. كما تشير الوثيقة إلى استمرار التفاوت في النفاذ إلى الخدمات الأساسية، وإلى تركز الاستثمار والثروة في عدد محدود من المجالات الترابية، مع بقاء الجهات الداخلية أقل قدرة على استقطاب الاستثمار وخلق مواطن الشغل.
غير أن هذا التشخيص يثير، في المقابل، إشكالًا منهجيًا بالغ الأهمية يتعلق بالسياق السياسي الذي صدرت فيه الوثيقة. فهي ليست وثيقة أعدتها سلطة جديدة بصدد تقديم برنامج بديل أو تقييم حصيلة منظومات حكم سابقة فقط، وإنما هي جزء من مشروع مخطط تنمية أعدته منظومة حكم تمارس السلطة منذ سنوات، وأصبحت مسؤولة بصورة مباشرة عن جزء معتبر من السياسات العمومية التي ساهمت في تشكيل الواقع الذي تصفه الوثيقة. ولذلك، فإن استمرار اعتماد لغة تقوم أساسًا على تشخيص الاختلالات وإرجاعها، بصورة صريحة أو ضمنية، إلى إرث السياسات السابقة، يجعل الوثيقة تبدو أحيانًا أقرب إلى خطاب المعارضة منها إلى خطاب سلطة تتحمل مسؤولية الحكم.
ولا يعني ذلك إنكار الطابع التراكمي للاختلالات المجالية أو تحميل السلطة الحالية مسؤولية واقع تشكل عبر عقود، وإنما يعني أن التخطيط العمومي الرشيد يقتضي التمييز بين الإرث التنموي الذي ورثته الدولة وبين حصيلة السياسات التي اعتمدتها السلطة القائمة خلال سنوات إدارتها للشأن العام. فكلما طالت مدة ممارسة الحكم، أصبحت السلطة مطالبة بالانتقال من نقد الماضي إلى تقييم سياساتها هي أيضًا، والاعتراف بما تحقق وما لم يتحقق، وتفسير أسباب النجاح والإخفاق. غير أن الوثيقة لا تتضمن تقييمًا واضحًا لحصيلة السنوات الأخيرة، ولا تحدد أثر الإصلاحات والمؤسسات الجديدة التي أُقرت خلال هذه الفترة في معالجة الفوارق المجالية، وهو ما يحرمها من أحد أهم عناصر التخطيط الاستراتيجي، أي التقييم الموضوعي للسياسات العمومية قبل اقتراح سياسات جديدة.
ثانيًا: من خطاب المعارضة إلى خطاب الدولة: غياب النقد الذاتي في وثيقة التخطيط:
وتكشف هذه المنهجية عن مفارقة أساسية في البناء الحجاجي للوثيقة. فمن جهة، تؤكد الوثيقة أنها تمثل قطيعة مع المنوال التنموي السابق، وأنها تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية، لكنها، من جهة أخرى، تبني جزءًا كبيرًا من خطابها على الاستمرار في مساءلة الماضي وتحميله المسؤولية الرئيسية عن الاختلالات القائمة. ولا خلاف في أن هذه الاختلالات هي نتاج مسار تاريخي طويل، غير أن استمرار هذا المنطق بعد سنوات من ممارسة السلطة يثير تساؤلًا حول حدود الانتقال من خطاب المعارضة إلى خطاب الدولة. فبعد أن تصبح السلطة صاحبة القرار السياسي والتشريعي والتنفيذي، لا يعود كافيًا تفسير الإخفاقات بإرث الماضي، وإنما يصبح من الضروري مساءلة السياسات التي اعتمدتها هي نفسها، وقياس أثرها في تغيير الواقع الذي تعترف الوثيقة باستمرار اختلالاته.
ومن هذا المنظور، يلاحظ أن الوثيقة تمارس نقدًا تفصيليًا للمنوال التنموي السابق، لكنها لا تمارس بالقدر نفسه نقدًا ذاتيًا للسياسات العمومية المنجزة خلال السنوات الأخيرة. فهي لا تتساءل، على سبيل المثال، عن أسباب استمرار تعثر المشاريع العمومية رغم التغييرات المؤسسية التي شهدتها البلاد، ولا عن أثر السياسات الاستثمارية والمالية التي اعتمدت خلال هذه الفترة في الحد من الفوارق المجالية، ولا عن مدى نجاح الخيارات الجديدة في تحقيق الأهداف التي رُفعت منذ البداية. ويترتب عن ذلك نوع من عدم التوازن في توزيع المسؤولية؛ إذ يُمنح الماضي مساحة واسعة للتفسير، بينما تغيب مساءلة الحاضر، وكأن السلطة التي أعدت الوثيقة تقف خارج موضوع التقييم، رغم أنها أصبحت طرفًا رئيسيًا في صناعة السياسات العمومية ونتائجها.
ويعكس هذا المنحى غلبة البعد التعبوي على البناء الخطابي للوثيقة. فالخطاب لا يكتفي بتقديم تشخيص تقني للتفاوتات المجالية، بل يسعى أيضًا إلى المحافظة على ثنائية “ماضٍ مسؤول عن الأزمة” في مقابل “مستقبل يحمل وعود الإصلاح”، دون المرور بالمحطة الأساسية التي تفرضها كل عملية تخطيط استراتيجي، وهي تقييم التجربة الراهنة واستخلاص الدروس منها. والحال أن الدولة الاجتماعية، إذا أريد لها أن تكون أكثر من مجرد شعار سياسي، تقتضي أن تقترن العدالة المجالية بثقافة مؤسساتية قائمة على الشفافية، والمحاسبة، والتقييم الدوري للسياسات العمومية، والاعتراف بالإخفاقات قبل الإعلان عن برامج جديدة. لذلك، فإن غياب هذا البعد لا يضعف فقط القيمة التقييمية للوثيقة، بل يحد أيضًا من قدرتها على الإقناع، لأنها تطالب بقطيعة مع سياسات الماضي دون أن تقدم مراجعة نقدية لمسار الحكم الذي سبق إعداد هذا المخطط، وهو مسار أصبحت السلطة الحالية تتحمل مسؤوليته السياسية والإدارية بصورة مباشرة.
ثالثًا: التخطيط الاستراتيجي بوصفه مساءلة للسياسات العمومية لا مجرد استشراف للمستقبل:
ويكتسب هذا النقد أهمية إضافية لأن التخطيط ليس مجرد استشراف للمستقبل، بل هو أيضًا ممارسة للمساءلة. فالوثائق الاستراتيجية في التجارب المقارنة لا تبدأ فقط بتشخيص الواقع، وإنما تتضمن تقييمًا واضحًا للسياسات السابقة، بما في ذلك السياسات التي نفذتها الحكومات القائمة، باعتبار أن الاعتراف بالأخطاء يمثل مدخلًا لتصحيحها. أما حين يغيب هذا البعد، فإن الوثيقة تتحول من أداة للتقييم والتخطيط إلى أداة لتبرير الخيارات السياسية، ويصبح الخطاب أقرب إلى المحافظة على شرعية السلطة عبر استحضار إخفاقات الماضي، بدل ترسيخ شرعية جديدة قوامها تحمل المسؤولية عن نتائج الحكم والالتزام بتصحيحها.
ويكتسب هذا الغياب أهمية أكبر إذا استحضرنا أن مشروع المخطط يقدم نفسه باعتباره تجسيدًا لمفهوم الدولة الاجتماعية. فهذه الأخيرة لا تقوم فقط على إعلان الالتزام بالعدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، وإنما تقوم أيضًا على مبدأ المساءلة وتحمل المسؤولية عن نتائج السياسات العمومية. وكان من المنتظر، انسجامًا مع هذا التصور، أن تتضمن الوثيقة مراجعة نقدية لتجربة السنوات الماضية، وأن تحدد بدقة ما الذي تحقق من الوعود المتعلقة بالعدالة المجالية، وما الذي بقي معطلًا، وما هي الأسباب الحقيقية لذلك. أما الاكتفاء بعرض الاختلالات دون تقييم أثر السياسات المنفذة خلال السنوات الأخيرة، فإنه يحول التشخيص إلى ممارسة أحادية الاتجاه، تركز على نقد الإرث أكثر مما تمارس النقد الذاتي، وهو ما يضعف انسجام الوثيقة مع المبادئ التي يعلنها مشروع المخطط.
رابعًا: مقاربة شمولية للتنمية يغلب عليها الوصف أكثر من التحليل البنيوي:
ويحسب للوثيقة، رغم ذلك، أنها تتجاوز المقاربة الاقتصادية الضيقة، إذ تقدم التنمية المجالية باعتبارها قضية متعددة الأبعاد، تربط بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة والحوكمة. فهي تتناول أوضاع الخدمات الأساسية، والبنية التحتية، والتشغيل، والتكوين، والموارد الطبيعية، والتغيرات المناخية، وتشتت الهياكل الإدارية، بما يعكس تصورًا حديثًا للتنمية باعتبارها عملية مركبة. غير أن هذه الشمولية لا تخفي هيمنة الطابع الوصفي على التحليل؛ فالوثيقة تقدم كمًا مهمًا من المؤشرات والإحصائيات، لكنها لا تتعمق في تفسير الأسباب البنيوية التي أدت إلى استمرار الاختلالات، ولا تناقش بصورة كافية طبيعة المنوال الاقتصادي الذي أفرزها.
خامسًا: الاستثمار بين منطق السوق ومتطلبات الدولة الاجتماعية:
وتبرز هذه الملاحظة بوضوح في معالجة إشكالية الاستثمار. فالوثيقة تفسر ضعف التنمية في الجهات الداخلية أساسًا بمحدودية الاستثمار الخاص، وتعقد الإجراءات الإدارية، وصعوبة النفاذ إلى العقار والتمويل، وضعف البنية الأساسية. وهي عوامل لا يمكن إنكارها، غير أن الاقتصار عليها يعيد إنتاج المنطق الذي حكم السياسات التنموية السابقة، والذي يعتبر أن تحسين مناخ الأعمال يمثل المدخل الرئيسي لتحقيق التنمية. أما إذا كانت الدولة الاجتماعية تمثل بالفعل الإطار المرجعي للمخطط، فإن السؤال الجوهري يصبح مختلفًا: هل يمكن ترك تحقيق العدالة المجالية رهينًا بقرارات المستثمرين الخواص، أم أن الدولة مطالبة بأن تكون المستثمر الأول في الجهات الأقل جاذبية، وأن تجعل من الاستثمار العمومي أداة لإعادة توزيع الثروة والفرص بين المجالات الترابية؟
سادسًا: العدالة المجالية… شعار حاضر وآليات غائبة:
وتقود هذه الملاحظة إلى إشكال أكثر عمقًا يتعلق بمفهوم العدالة المجالية نفسه. فالوثيقة تكرر هذا المفهوم في أكثر من موضع، وتجعله أحد أهداف المخطط، لكنها لا تترجمه إلى التزامات واضحة أو مؤشرات قابلة للقياس. فلا تحدد نسبًا دنيا للاستثمار العمومي لفائدة الجهات الأقل نموًا، ولا تطرح آليات لإعادة توزيع الموارد المالية بين الأقاليم، ولا تضع مؤشرات كمية يمكن على أساسها تقييم مدى تقليص الفوارق الترابية عند نهاية فترة المخطط. وبهذا المعنى، يبقى مفهوم العدالة المجالية أقرب إلى إعلان مبدئي منه إلى سياسة عمومية محددة المعالم.
سابعًا: تثمين الخصوصيات المحلية وحدود الرهان على الإمكانات الذاتية:
كما تمنح الوثيقة أهمية كبيرة لتثمين الخصوصيات المحلية والموارد الذاتية لكل إقليم، وهو توجه إيجابي من حيث المبدأ لأنه يتجاوز النظرة التقليدية إلى الجهات باعتبارها مجرد فضاءات تحتاج إلى الدعم. غير أن هذا التصور يفترض ضمنيًا أن جميع المجالات تمتلك القدرة نفسها على تعبئة مواردها واستقطاب الاستثمار، وهو افتراض لا تؤيده الوقائع، بالنظر إلى التفاوت التاريخي في البنية الأساسية، والموارد البشرية، والأسواق، وشبكات النقل، والخدمات العمومية. ولذلك فإن الرهان على الإمكانات الذاتية وحدها قد يؤدي، إلى إعادة إنتاج التفاوتات نفسها بدل معالجتها، ما لم يقترن بسياسات قوية لإعادة توزيع الموارد والاستثمارات العمومية.
ثامنًا: التخطيط التصاعدي بين الطموح المؤسسي
وغموض توزيع الصلاحيات:
ومن جهة أخرى، تؤكد الوثيقة اعتماد التخطيط التصاعدي وإسناد دور أكبر للمجالس المحلية والجهوية والإقليمية، باعتبارها فضاءات للمشاركة في رسم السياسات التنموية. غير أنها لا توضح بصورة كافية حدود الصلاحيات الفعلية التي ستتمتع بها هذه الهياكل، ولا طبيعة علاقتها بالسلطة المركزية، ولا الموارد المالية التي ستوضع على ذمتها. ومن ثم، يبقى التخطيط التصاعدي، في صيغته الحالية، أقرب إلى مبدأ تنظيمي منه إلى تحول مؤسساتي حقيقي يعيد توزيع السلطة في مجال التخطيط واتخاذ القرار.
تاسعًا: مفارقة الوثيقة: تشخيص متقدم وأدوات تقليدية
وتكشف الوثيقة، في النهاية، عن مفارقة أساسية. فهي تنجح في تشخيص أزمة التنمية المجالية، وتعترف باستمرار التفاوتات الترابية، وتتبنى خطابًا يقوم على العدالة الاجتماعية والدولة الاجتماعية والقطع مع المنوال السابق، لكنها لا تقدم، بالوضوح نفسه، الأدوات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية التي تسمح بتحويل هذه المبادئ إلى سياسات قابلة للتنفيذ. بل إن جانبًا من الحلول المقترحة يظل يدور في فلك الأدوات نفسها التي اعتمدتها السياسات السابقة، مثل تحسين مناخ الاستثمار، وتثمين الموارد المحلية، وتعزيز التنسيق بين المتدخلين، دون إعادة تعريف جذرية لدور الدولة في قيادة التنمية وإعادة توزيع الثروة بين المجالات الترابية.
خاتمة: الدولة الاجتماعية لا تُبنى بالشعارات بل بثقافة التقييم والمساءلة:
وعليه، فإن القيمة العلمية والسياسية لوثيقة التنمية المجالية تكمن أساسًا في أنها تعترف بوجود أزمة حقيقية في المنوال التنموي وباستمرار الاختلالات المجالية، إلا أن أهم مآخذها يتمثل في غياب التقييم الذاتي لسياسات السلطة التي أعدتها، وفي عدم الانتقال من خطاب نقد الماضي إلى خطاب مساءلة الحاضر. فبعد سنوات من ممارسة الحكم، يصبح الاعتراف بالأخطاء وتقييم حصيلة السياسات العمومية جزءً من مسؤولية الدولة، وليس مجرد خيار سياسي. ومن ثم، فإن بناء دولة اجتماعية لا يتحقق فقط بإعلان مبادئ العدالة المجالية، وإنما يقتضي أيضًا ترسيخ ثقافة المحاسبة، والتقييم، والاعتراف بالإخفاقات باعتبارها شرطًا لتصحيح السياسات وتحسينها. وفي غياب هذا البعد، تظل وثيقة التنمية المجالية أقرب إلى إعلان توجهات استراتيجية منها إلى مراجعة نقدية شاملة تؤسس فعلًا لمنوال تنموي جديد يقطع مع اختلالات الماضي ويستجيب لمتطلبات الحاضر

شارك رأيك

Your email address will not be published.