محذرا من إعلام موجَّه، مبروك كرشيد ينشر بيانا توضيحيا إلى الرأي العام

*نص البيان التوضيحي: على إثر صدور الأحكام الباطلة في حقي وفي حق عدد من أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة، وإعادة نشر تصريحات صحفية قديمة تعود إلى سنة 2020 وتقديمها للرأي العام وكأنها صادرة اليوم، أجد من واجبي توضيح بعض الحقائق.

إنني لا أتنصل من أي موقف أو تصريح صدر عني، بل أتحمل مسؤوليتي كاملة عنه. غير أن الحقيقة لا يمكن أن تظهر في ظل إعلام موجَّه، وقضاء فقد استقلاله، وحملات منظمة لتشويه الوقائع واقتطاع التصريحات من سياقها خدمةً لأهداف سياسية.

أولًا: أؤكد مرة أخرى أن خطابي السياسي كان ولا يزال موجَّهًا إلى من هم في السلطة باعتبارهم أصحاب القرار والمسؤولية. أما منذ حلّ المجلس الأعلى للقضاء سنة 2022، فقد أصبحت أعتبر أن كل من يُحال على القضاء في تونس لم يعد يتمتع عمليًا لا بقرينة البراءة ولا بضمانات المحاكمة العادلة. ومن هذا المنطلق، فإن موقفي المبدئي هو مؤازرة كل من يخضع لهذه المحاكمات أو التزام الصمت، مهما كانت الخلافات السياسية السابقة معه. ولذلك توقفت منذ ذلك التاريخ عن توجيه النقد إلى خصومي السابقين الذين أصبحوا اليوم في المعارضة أو في السجون أو في المنافي.

ثانيًا: إن موقفي من هيئة الحقيقة والكرامة كان وما يزال واضحًا. فلم أكن يومًا ضد حق ضحايا الاستبداد في جبر الضرر، بل أعتبره حقًا ثابتًا نشأ عن أضرار ألحقتها بهم الدولة. غير أن خلافي كان حول آلية التعويض، إذ كنت أرى أن يتم عبر القضاء المختص وفي إطار أحكام قضائية تصدر بحضور الدولة وضمانات المحاكمة العادلة، لا في شكل قرارات فردية. وقد أثبتت الوقائع لاحقًا، للأسف، وجاهة هذا الرأي.

ثالثًا: وأؤكد للرأي العام أنني لم أقل يومًا إن ضحايا الاستبداد تلقوا تعويضات بقيمة ثلاثة آلاف مليون دينار. وما صرحت به هو أن مجموع القرارات الفردية الصادرة عن هيئة الحقيقة والكرامة في مادة التعويض بلغ هذا المقدار، وهي قرارات لم تتحول، حسب علمي، إلى تعويضات فعلية صُرفت إلى أصحابها. وتحريف هذا التصريح وتقديمه خارج سياقه ليس إلا محاولة جديدة لتضليل الرأي العام.

رابعًا: أعتبر جميع المحاكمات التي استهدفتني واستهدفت عددًا من معارضي السلطة محاكمات باطلة، لأنها افتقدت إلى مقومات استقلال القضاء والمحاكمة العادلة وضمان حق الدفاع. كما أعتبر أن هناك جهازًا موازيًا يعمل خارج مؤسسات الدولة على توظيف القضاء والإعلام لاستهداف الخصوم السياسيين وكل من يختلف في الرأي. وهذا الموقف يشمل الجميع، بمن فيهم من اختلفت معهم سياسيًا، وفي مقدمتهم السيدة سهام بن سدرين، لأن العدالة لا تتجزأ، وضمانات المحاكمة العادلة حق لكل إنسان.

خامسًا: إن أخطر ما تواجهه تونس اليوم ليس اختلاف المعارضة، وإنما انشغالها بخلافات جانبية في وقت تتعرض فيه الدولة ومؤسساتها لتفكك غير مسبوق، ويقبع فيه عدد من التونسيين في السجون أو يعيشون في المنافي. لذلك فإن الواجب الوطني يقتضي أن نتعالى ونتسامى على خلافاتنا الشخصية، وأن نتمسك بالنقد الذاتي باعتباره فضيلة سياسية، فلا أحد معصوم من الخطأ، ولا أحد يحتكر الحقيقة.

سادسًا: اؤكد دعمي الكامل للمبادرة التي أطلقها السجناء السياسيون الداعية إلى توحيد المعارضة، وأعتبر أن هذه الصرخة الصادرة من داخل السجون يجب ألا يذهب سدى بل ينبغي أن تكون أساسًا لعمل يجمع كل القوى الوطنية حول هدف واحد، هو إنقاذ الدولة واستعادة مؤسساتها، وإرساء قضاء مستقل، وضمان محاكمة عادلة، وصون الحقوق والحريات وصياغة ميثاق وطني تونسي جديد علي اساسه تدار الامور .

ختامًا، فإنني أوجه نداءً صادقًا إلى جميع الوطنيات والوطنيين بأن يجعلوا من حماية الدولة التونسية واستعادة مؤسساتها الهدف الذي يعلو على كل الخلافات. فلنبنِ جميعًا على مبادرة السجناء السياسيين، ولنجعل منها بداية لمسار جديد يقوم على الحوار، والنقد الذاتي، والثقة المتبادلة، والعمل المشترك.

فالدول لا تُبنى بالانتقام، ولا تُحمى بالانقسام، وإنما تنهض حين تتعالى نخبها على خلافاتها، وتضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.
والله ولي التوفيق.

*الاستاذ مبروك كرشيد

شارك رأيك

Your email address will not be published.