إيران تغيّر قواعد اللعبة في الخليج

 هناك إجماع دولي حتى في إسرائيل ذاتها شريك الحرب مع الأمريكان و بعض الدول الغربية و العربية المتواطئة ضد إيران بأن هذه الحرب لم تحقق كل الأهداف التي أعلنت في البداية بسبب الاختلافات الكبيرة بين طموحات الرئيس الأمريكي و طموحات رئيس حكومة العدو الصهيوني و الصمود الإيراني الذي فاق توقعات أكثر المساندين لإيران تفاؤلا.

أحمد الحباسي *

لنقلها بمنتهى الصراحة أن هناك إجماع حتى في وسائل الإعلام الإسرائيلية على أن إيران هي من خرجت أكبر المستفيدين من هذه الحرب و لعل هناك فى لبنان اليوم من بات يتحسس رأسه بعد أن ظن أن المقاومة الإسلامية في لبنان بقيادة حزب الله قد تعرضت إلى عملية كسر عظم مرعبة سواء على مستوى فقدان أكبر قيادات الحزب أو على مستوى العتاد العسكري الذي شكل لسنوات عديدة عامل ردع مهم ضد النزوات التوسعية الصهيونية و ضد بعض الخيانات لكثير من الأحزاب التي باعت ذمتها للشيطان الصهيوني.

الرئيس المعتوه و مجرم الحرب رئيس الحكومة

خروج إيران منتصرة بفضل صمود الشعب الإيراني و عدم انقياد البعض منه في تنفيذ مؤامرات متعددة الوجوه غرضها إثارة الشارع و خلق الفوضى و دفع القيادة إلى التهور أو فقدان السيطرة – وهو الهدف الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بمنتهى الوقاحة  في بداية الحرب – هو العنوان الأكبر لهذا الانتصار التاريخي الذي قلب جميع الخطة الأمريكية الصهيونية و جعل إمكانية  إبرام مذكرة التفاهم أمرا ممكنا كمخرج يحفظ ماء الوجه القبيح للرئيس الأمريكي المعتوه و مجرم الحرب رئيس الحكومة الصهيونية.

حتى نفهم أكثر لا بد من الإشارة أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قد نجح سنة 2015 في إبرام اتفاق محترم جدا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية دون الدخول في حرب دموية مكلفة و دون البحث عن دفع الشعب أو المعارضة الإيرانية للثورة ضد النظام و لا بد من الإشارة أيضا أن الرئيس دونالد ترامب قد شنّ فى حينه أعنف خطاب سياسي ضد هذا الاتفاق واصفا إياه بأقذع النعوت و لكن الملاحظين اليوم يؤكدون بصوت واحد أن دخول هذا الرئيس في حرب مكلفة ضد إيران لم يحقق أي من الأهداف المعلنة في بدايتها و التي تراوحت بين قلب النظام و استعادة كميات اليورانيوم و تدمير القوة الصاروخية و إجبار القيادة الإيرانية أو ما تبقى منها بعد العدد الهائل من اغتيالات قادة الصف الأول بمن فيهم المرشد علي خامئنئي على توقيع اتفاق استسلام يتم فيه فرض شروط مهينة.

بطبيعة الحال لا أحد يصدق أن أمريكا قد  شنت هذه الحرب الدموية المكلفة لأجل مصلحة الشعب الإيراني بدليل تعالى الأصوات التي تتهم الرئيس الأمريكي بأنه بإمضائه وثيقة التفاهم قد خان كافة وعوده لهؤلاء الخونة الذين يصفون أنفسهم بالمعارضين و هم مجرد عملاء لوكالة المخابرات الأمريكية.

لعله لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط تقف دولة منهكة اقتصاديا نتيجة العقوبات الاقتصادية الظالمة المسلطة عليها من الأمريكان ضد النوايا العدوانية الصريحة لدولتين نوويتين و التي تمول نواياهم العدوانية تلك دول الخليج و لعله لأول مرة يكتسي صراع عنيف مثل هذا التشعب و التداخل بشكل مربك على اعتبار أن إيران لا تكتفي بالدفاع عن نفسها ضد أكبر قوتين عسكريتين جويتين في العالم بل هي مضطرة أيضا للدفاع و حماية مصالح حلفائها في المنطقة بحيث كان واضحا هذا الإصرار الإيراني على أن تتضمن وثيقة التفاهم وقفا فوريا للاعتداءات الوحشية الصهيونية ضد المقاومة الإسلامية في لبنان.

تفوق العقل السياسي الإيراني

من الطبيعي في ظل الغطرسة الصهيونية و ارتباك الإرادة السياسية الأمريكية و ما اتسمت به من فشل في إدارتها للمعركة ضد إيران أن يتم خرق بنود وثيقة التفاهم و من الطبيعي أن تستغل إسرائيل الظروف الأمريكية لمحاولة ضرب الوثيقة في مقتل لكن بالمقابل تتعامل إيران بمنتهى الذكاء و برودة الأعصاب السياسية و تكشف القيادة السياسية الجديدة عن مخزون لافت من الدهاء أربك كل الحسابات الصهيونية الأمريكية الخليجية و هو الأمر الذي دفع المراقبين للشهادة بتفوق العقل السياسي الإيراني و قدرته رغم كل الصعوبات المختلفة على التمسك بالثوابت و فرض وجهة نظره على الأعداء و صياغة موقف إيراني استراتيجي واضح وغير مسبوق.

لقد أهدرت الإدارة الأمريكية العنصرية المتعصبة عشرات المليارات من الدولارات و استنفذت مخزون صواريخها الاعتراضية و تعرضت قواعد العسكرية في دول الخليج إلى القصف و التدمير و أضرت بعلاقاتها المترنحة أصلا مع حلفاءها و تسببت فى ارتفاع أسعار النفط و مكنت إيران من بسط سيطرتها على مضيق هرمز الذي كان مفتوحا قبل بداية الأحداث  لكنها لم تحقق أي هدف من أهدافها التي ذكرها الرئيس دونالد ترامب حين أعلن بداية هذه الحرب العبثية.

لم يحقق رئيس الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو أيا من أهدافه خاصة ان اغتيال القيادات السياسية و العسكرية فى إيران قد أتى بمعوضين أكثر تشددا وعدائية للصهاينة و الأمريكان و تمسكا بالثوابت و بطبيعة الحال كشفت هذه الحرب لدول الخليج كذبة قدرة الكيان و الأمريكان على حمايتها. لقد كان متوقعا أن يفرض الرئيس الأمريكي على دويلات الخليج دفع كلفة الحرب لإيران و لعل هناك أصوات خليجية قد باتت تستعيد وعيها لتنادى بالبحث عن طريقة أخرى تمكنها من التعايش مع الجار الإيراني.

* كاتب و ناشط سياسي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.