بقلم حمة الهمامي
نسرين… جميلة الجميلات
أو
“الجنين السجين”
في أربعينيّة الراحل العزيز، عمّار “معلّم الصبيان” القاسمي، عشت لحظات مؤثّرة… اختلطت فيها مشاعر الألم والنقمة بمشاعر الفرح والأمل… كنت أتابع العرض الموسيقي الذي قُدّم في قاعة “الريو” بالعاصمة حين وقعت عيناي على شابّة، جميلة، مسرارة، أنيقة، كبنات بلدي، تغنّي مع المجموعة وترقص بهدوء ورشاقة، على أنغام أغنيات “الحمائم البيض” والبحث الموسيقي والشيخ إمام، كلّها حياة وأمل، لا تفارقها الابتسامة… تأمّلت فيها قليلا فإذا بي تذكّرتها… إنّها تحمل ملامح والديها، العزيزين، نور الهدى ساسي وخميّس البحري، المهندس الفنّان الذي كان من مؤسّسي فرقة “البحث الموسيقي” التي ما تزال أغانيها تُردّد إلى اليوم، يحفظها الكبار والصغار… نعم إنّها نسرين التي كانت لها حكاية مع البوليس السياسي قبل حتّى أن تفتح عينيها على هذا العالم.
عادت بي الذاكرة إلى مطلع شهر نوفمبر 1992… ففي ليلة السادس من ذلك الشهر وزّع حزب العمّال منشورا وطنيّا، بمناسبة الذكرى الخامسة لانقلاب 7 نوفمبر 1987، فضح فيه الوعود الكاذبة للجنرال المنقلب ودعا فيه الشعب التونسي إلى مقاومة الدكتاتورية العائدة بقوة والعمل على إسقاطها. في تلك الليلة، ليلة 6 نوفمبر 1992، اعتقل البوليس السياسيّ عددا من الرفاق في قابس… وكان من بين الموقوفين الرفيقتان نور الهدى ساسي وإلهام الحمروني وكانتا حاملين، نور الهدى في الشهر الخامس وإلهام في الشهر السادس… ولكنّ حملهما لم يقِهما من وحشيّة جلّاديهما الذين استغلّوه للضغط به عليهما والإيغال في إيذائهما وإيلامهما… كان الجلّادون يَعْفِسُونَ بأَحْذِيَتِهمْ على بَطْنَي نور الهدى وإلهام مهدّدين: “تكلّمي وإلّا تَوْ نخرجْهولك من كرشك”، وبالفعل كادت نور الهدى أن تُجهض فسارع البوليس السياسي بتسليمها إلى عائلتها كي تأخذها إلى المستشفى ويتفصّى هو من المسؤوليّة في حالة حصول مكروه… ولكنّه ما أن علم أنّ نور استقرّت حالتها وتجاوزت منطقة الخطر حتّى اعتقلها من جديد وأحالها على المحكمة مع إلهام وبقية رفاقها.
عانت نور الهدى وإلهام ما عانيا من آلام وصدمات خلال اعتقالهما. وكان للمحامين (الأستاذة راضية النصراوي وحبيب الزيادي وأنور القوصري ومختار الطريفي…) والمنظمات الحقوقية الدولية دور كبير في فضح الانتهاكات الجسيمة التي تعرّضتا لها في فترة كان التعذيب فيها أسلوب حكم، وكان البوليس السياسي بمختلف فرقه وعلى رأسها “إدارة أمن الدولة”، يعذّب ويغتصب ويقتل دون عقاب. ومن حسن حظّ نور الهدى وإلهام أن الضغط القويّ الذي مورس على نظام بن علي، الذي كان يتظاهر باحترام حقوق الإنسان، أعطى أكله إذ تمّ الإفراج عنهما بعد شهرين من اعتقالهما، بينما ظلّ رفاقهم المحكومون في نفس القضية، خميس البحري وفتحي العوني ومحمّد القابسي وعلي الدالي وتوحيد العزّوزي، في السجن.
بعد مدّة قصيرة من السراح وضعت نور الهدى نسرين التي تقف اليوم شامخة فوق ركح مسرح “الريو” تغنّي وترقص كلّها حياة وكلّها جمال وكلّها حرية. قلت في نفسي وأنا أتفرّج على نسرين الفنّانة، كان من الممكن أن تُحرم هذه الزهرة من الوجود بسبب تصرّف أرعن من أحد وحوش البوليس السياسي بقابس الذين عذّبوا أمّها التي كانت موجودة بيننا يوم الأحد في قاعة “الريو”، ترمق بإعجاب ممزوج بالكثير من الحنان، كريمتها التي تخطّت سنّ الثلاثين… بالطبع لم يُحاسَبْ إلى حدّ الساعة جلّادُو نور الهدى وإلهام، مثلهم مثل بقية المجرمين الآخرين الذين ملأوا البلاد رعبا وخوفا لمدة عقود، لأنّ الإفلات من العقاب ما يزال هو القاعدة إلى حدّ اليوم فالدولة الاستبدادية المغلّفة اليوم بغلاف شعبوي لم تتغيّر طبيعتها، وهي ماتزال في حاجة إلى نفس الممارسات والأساليب الوحشية كي تكمّم الأفواه وتسيطر على المجتمع الخ…
نَجَتْ إذن نسرين الجميلة من الموت المبكّر وجاءت إلى هذا العالم، وهي اليوم تغنّي وترقص للحياة والحريّة والأمل بعد أن كانت الجنين الذي عرف السجن لمدّة شهرين كاملين… وأنا أمزح مع والدها، صديقي وأخي خميّس البحري، قلت له: “زعمة الشهرين حبس اللي عدِّتْهم نسرين في كرش أمّها مقيْدِين في سوابقها، في الب3 متاعها وإلّا لا؟”… أجابني مازحا: “ومن يدري…” وحين سألته عن ردود فعل نسرين، بعد أن كبرت وترعرعت، عمّا حدث لوالدتها وبالتالي لها، أعلمني أنّه ونور الهدى أخْبراها بكلّ شيء وهي اليوم لها حساسيّة كبيرة تجاه الظلم… فربّما ساهم ذلك الحادث، حين وَعَتْهُ، في تكوينها وفي تربيتها على المبادئ والقيم الجميلة… قيم الحريّة والمساواة والعدالة التي لا تتحقّق إلّا في مجتمع تكون فيه السيادة على الدولة والثروة للشعب بمختلف طبقاته وفئاته الكادحة وهو الهدف الذي لن يكلّ أبدا عشّاق تلك القيم من العمال والكادحين والمثقفين من النضال والتضحية من أجلها.
إلى السماء “نسرين” بلادي،
غنّي وارقصي وابدعي حبّا للحياة والجمال،
وثقي بأنّ عهدا سوف يأتي في بلادنا كما في العالم تزول فيه كافة أشكال الظلم والقمع والكراهيّة والعنصريّة المقيتة التي يغذّيها النظام الرأسمالي.
سوف تزول كل هذه الهموم بزوال الرأسمالية لتبقى قيمة واحدة هي الحب والإخاء بين البشر بمختلف ألوانهم الجميلة وأجناسهم المتنوّعة كتنوّع الزهور ولغاتهم وثقافاتهم المختلفة التي تنبض إنسانية.
كم أنْتَ جَمِيل يَا عَمَّار، يَا صَدِيقي… جمَعْتَنا في حياتِك وفي مماتِك حول أجمل القِيم وأعظمها وأكثرها إنسانيّة.
وكم أنت جميلةٌ يا نسرين لأنّك لم تحيدي عمّا تربّيت عليه من حبّ للحرية.
وكم سَعِدْتُ يا نِسرين حين سمِعْتك تقولين إنّ سناء “بنت” إلهام كانت وما تزال أعزّ صديقاتك بعد أن جمعكما السجن وأنتما في بطني أُمّيكما، جَنِينَيْن، تنتظران اقتحام عالم البشر بتناقضاته ومشاكله الرهيبة.
فإلى الأمام في بهجتك وتفاؤلك وحبّك للفنّ والحياة
واعلمي أنّ القادِمَ أفضل مهْما طال الظلَام
والشقيُّ الشقيُّ مَنْ لا يَقرأُ التارِيخ
وكما غَنَّى وَالِدُكَ:
“قَبْضَةٌ واحدةٌ لا تكِلْ
وتُرْبة المَصْنعِ الآن حُبْلى بجمْرٍَ وفُلْ
نَشْنَقُ الخوْفَ بالأُُغْنِيَاتْ
ونَبْنِي…ونَبْنِي بِرَغْم الدَمارْ”
تونس في 2 جوان 2026



شارك رأيك