«ربيع عربي أخلف الميعاد» : الطيب البكوش يراجع سنوات الثورة التونسية

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على ثورة 14 جانفي 2011، التي أطلقت شرارة ما عُرف بـ«الربيع العربي»، يعود وزير التربية ووزير الخارجية التونسي الأسبق الطيب البكوش إلى تلك المرحلة المفصلية عبر كتابه الجديد «ربيع عربي أخلف الميعاد»، الصادر عن دار إركاديا، مقدّمًا شهادة سياسية وفكرية تستند إلى تجربته في قلب مؤسسات الدولة بين عامي 2011 و2015.

 جمال قتالة

لا يقدّم البكوش مذكرات تقليدية بقدر ما يفتح ملفات المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها، مستعرضًا كواليس صناعة القرار، والتجاذبات السياسية التي رافقت الحكومات المتعاقبة، والصعوبات التي واجهت مؤسسات الدولة في إدارة مرحلة اتسمت بالهشاشة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

ويحمل عنوان الكتاب دلالة واضحة على موقف صاحبه من حصيلة الثورة. فـ«ربيع عربي أخلف الميعاد. كما عشته بين وزارتي التربية والخارجية (2011-2015)» يعكس، في نظر المؤلف، المسافة الواسعة بين الآمال التي حملها التونسيون في جانفي 2011 والواقع الذي انتهت إليه البلاد بعد سنوات من التجاذبات والأزمات. إنها قراءة نقدية لا تخفي خيبة الأمل، لكنها تحاول في الوقت نفسه تفسير أسباب تعثر الانتقال الديمقراطي، بعيدًا عن الشعارات والأحكام المسبقة.

ويتوقف البكوش عند عدد من الملفات الحساسة، من بينها العلاقة بين القوى السياسية، ولا سيما الإسلاميين والعلمانيين، وتعقيدات العمل الحكومي، وحدود التحرك الدبلوماسي في ظل المتغيرات الإقليمية، إضافة إلى التحديات التي واجهت إصلاح المنظومة التربوية، وهو الملف الذي تولاه خلال إحدى أكثر الفترات حساسية في تاريخ البلاد.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة بالنظر إلى المسار المهني والسياسي لمؤلفها، فهو أستاذ جامعي ونقابي بارز، شغل سابقًا منصب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، قبل أن يتولى مسؤوليات وزارية جعلته شاهدًا مباشرًا على أبرز محطات الانتقال السياسي في تونس.

وقد أثار صدور الكتاب اهتمامًا ملحوظًا في الأوساط السياسية والثقافية، حيث اعتبره عدد من المتابعين وثيقة مهمة لفهم ما جرى خلال السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، فيما رأى آخرون أنه يثري النقاش المتواصل حول حصيلة المسار الديمقراطي التونسي، ويقدم قراءة من الداخل لتجربة ما تزال آثارها حاضرة في المشهد السياسي.

ويأتي هذا الإصدار ضمن موجة من الكتب والشهادات التي يسعى أصحابها إلى إعادة قراءة سنوات الانتقال الديمقراطي واستخلاص الدروس من نجاحاتها وإخفاقاتها، في وقت لا يزال فيه الجدل قائمًا حول أسباب تعثر التجربة التونسية ومساراتها المختلفة.

وسواء اتفق القارئ مع خلاصات الطيب البكوش أو اختلف معها، فإن «ربيع عربي أخلف الميعاد» يضيف شهادة جديدة إلى أرشيف الثورة التونسية، ويفتح بابًا واسعًا أمام الباحثين والمهتمين لإعادة التفكير في واحدة من أهم المحطات السياسية في تاريخ تونس الحديث، بعيدًا عن الانفعال، وبقرب أكبر من الوقائع والذاكرة.

شارك رأيك

Your email address will not be published.