إن انقطاعات الكهرباء التي نعيشها اليوم ليست مفاجأة لأحداً، فالجميع داخل إدارة الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الـ STEG) ووزارة الطاقة يعلمون منذ سنوات أن منظومتنا الكهربائية أصبحت هشة بشكل خطير.
إذ يرتفع الاستهلاك سنوياً وبشكل خاص خلال فترات الحرارة القصوى، بينما لا تواكب قدراتنا الإنتاجية وشبكتنا ومخازننا الاستراتيجية هذا النسق السريع.
كما أن تبعيتنا الطاقية للجزائر تزداد باستمرار، حيث غطت الواردات المباشرة من الكهرباء القادمة أساساً من الجزائر قرابة 11% من احتياجات السوق التونسية في عام 2025. لكن تبعيتنا الحقيقية تتجاوز هذا الرقم بكثير، نظراً لأن أكثر من 90% من كهربائنا يتم إنتاجها باستخدام الغاز الطبيعي الذي يستورد جزء كبير منه أيضاً من الجزائر.
ومن أجل إيجاد حل اعتمدت الدولة منذ أكثر من عشر سنوات استراتيجية لتطوير الطاقات المتجددة بدفع خاص من الاتحاد الأوروبي والوكالة الألمانية للتعاون الدولي والجهات المانحة الدولية. كانت الفكرة الأساسية تبدو نزيهة ومقنعة وترتكز على تطوير اللزمات الكبرى وتمكين المشاريع التونسية الصغيرة والمتوسطة من البروز وتشجيع الاستهلاك الذاتي مع تعزيز قدرات الـ STEG في نفس الوقت.
غير أن اليوم وبعد مرور عقد من الزمن نجد أن شيئاً لم ينجز تقريباً بمستوى الطموحات المعلنة.
فالمشروع الوحيد الذي يسجل تقدماً ملحوظاً هو الذي يخص اللزمات الممنوحة للمجموعات الأجنبية كبرى، في المقابل تشكو المشاريع التونسية والمنتجون الصغار ومبادرات الاستهلاك الذاتي من بطء تطويرها بسبب عرقلة التراخيص والتعقيدات الإدارية وصعوبات الربط بالشبكة. بميأكد صحة المثل الشهير “قنديل باب منارة ما يضوي كان عالبراني”.
إذ تفرش الحكومة السجاد الأحمر لكبار المستثمرين الأجانب، بينما يضطر التونسيون أحياناً لانتظار سنوات طويلة للحصول على ترخيص بسيط أو توقيع عقد.
لقد انطلقت الدولة كذلك في مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا والمعروف باسم مشروع ELMED. وغالباً ما تقدم السلطة هذا المشروع على أنه فرصة لتصدير الكهرباء إلى أوروبا، ولكن بكل صراحة وواقعية فإن هذا المشروع سيمكننا في الوضع الحالي وقبل كل شيء من استيراد الكهرباء الأوروبي لتأمين شبكتنا الوطنية.
تونس بلد مستورد صاف للطاقة منذ سنوات طويلة وقد أصبح هذا العجز هيكلياً، ولكي نتمكن من التصدير يتعين علينا أولاً إنتاج ما يكفي لتغطية احتياجاتنا المحلية وهو أمر بعيد المنال في الوقت الراهن.
أي نقاش حول الطاقة يمر حتماً عبر الحديث عن وضعية الSTEG، فهذه المؤسسة التي كانت يوما صرحا وطنيا صلبا نخرتها سنوات من المحسوبية والتسيب وانعدام الرؤية لتتحول اليوم إلى مجرد هيكل أجوف ينزف كفاءاته وخبرات.
تم انتداب مهندسين من أعلى طراز من خريجي ENIT و Polytechnique وغيرهما من المدارس الكبرى لتشييد وإدارة محطات توليد الكهرباء بالغاز، واليوم يجد بعضهم انفسهم في حالة بطالة فنية شبه تامة منذ سنوات. وذلك في مناخ تسود فيه فلسفة تعطيل التغيير. بينما تحتاج الـ STEG اليوم وبشدة إلى أفضل عقولها في مجالات التوزيع والطاقات المتجددة وتخزين الطاقة والرقمنة وتحديث الشبكة الوطنية وتطويرها.
إننا بحاجة ماسة إلى خطة حقيقية للإصلاح وإعادة الانتشار والتوظيف الأمثل للموارد البشرية، ويتطلب هذا تدريب الكفاءات الحالية وتوظيف طاقات جديدة على نطاق واسع مع مراجعة شاملة ومستمرة لهيكلية المؤسسة وتنظيمها الداخلي.
من جهة أخرى، نلاحظ اليوم أن أبسط مهام الصيانة والخدمات الدورية أصبحت تسند إلى شركات مناولة خارجية وسط شبهات المحسوبية والفساد في اختيار هؤلاء المزودين.
يمكن أن تكون المناولة مفيدة في بعض الحالات ولكن لا يجب أن تتحول أبداً إلى وسيلة لإفراغ الـ STEG من كفاءاتها ومسؤولياتها التاريخية وخبراتها المتراكمة.
كما نلاحظ تزايد الأصوات الداعية إلى تركيب بطاريات وألواح شمسية في كل منزل. يمكن لهذا الحل أن ينجح من الناحية التقنية، غير أنه من الناحية السياسية والاجتماعية يهدد بتعميق هوة الفوارق واللامساواة بين المواطنين.
فالأسر الميسورة مادياً ستمتلك القدرة على شراء استقلاليتها الطاقية عبر تركيب الألواح والبطاريات والمولدات الكهربائية بينما ستظل بقية العائلات تعاني من الانقطاعات المتكررة. وهذا ما نخشاه من استنساخ نموذج المستشفى العمومي، فما دام هناك قطاع خاص يعالج الأثرياء وأبناء المسؤولين فلن يتم إنقاذ المستشفيات العمومية.
إذا تمكن الميسورون من حماية أنفسهم بشكل فردي من الانقطاعات فلن يبقى لديهم أي دافع للمطالبة بتحسين الشبكة العامة وتطويرها. إن فتح هذا الباب دون رؤية جماعية وشاملة يهدد بانهيار الـ STEG تماماً. قد تمثل البطاريات الفردية جزءاً صغيراً من الحل ولكنها لن تكون أبداً بديلاً عن سياسة طاقية عمومية حقيقية.
لا يكمن الحل في محاولة كل فرد النجاة بنفسه من الانقطاعات، بل يكمن في إنقاذ الـ STEG وإصلاحها وتحديثها مع تطوير الطاقات المتجددة بشكل فعلي لضمان مرفق عمومي كهربائي موثوق وعادل للجميع.
وراء هذه الهشاشة التقنية، مشكل أعمق يتعلق بالمالية العمومية، حيث تواجه الدولة التونسية عجزاً ضخماً على مستوى الميزانية مرفوقا بنقصاً مزمناً في العملة الصعبة مما يحد من قدرتها على تمويل واردات الغاز والكهرباء بالنسق المطلوب لتغطية حاجيات البلاد خاصة في أوقات ذروة الاستهلاك الصيفي.
إن قطع الكهرباء الدوري وتخفيف الأحمال ليس مجرد نتيجة لشبكة ضعيفة ومحدودة، بل هو أيضاً نتاج خيارات وتحكيمات ميزانياتية خاطئة تعجز فيها الدولة أحياناً عن توفير العملة الصعبة اللازمة لشراء الطاقة المفقودة بشكل عاجل. وطالما لم تتم معالجة هذا العائق المالي الهيكلي فلن تكفي أي إصلاحات تقنية للـ STEG وحدها لضمان تزويد مستقر وموثوق بالكهرباء.



شارك رأيك