بقلم فاهم بوكدوس
في كل 25 جويلية، درجت الدولة التونسية على إصدار عفو يشمل عشرات، وأحيانًا مئات، من السجينات والسجناء، ليظل هذا الموعد أحد أبرز المواعيد ذات البعد الإنساني المرتبطة بعيد الجمهورية. غير أن هذه السنة تأتي في سياق استثنائي، ربما هو الأخطر الذي عرفته البلاد منذ سنوات، حيث تتداخل أزمة سياسية خانقة مع أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، وتتراجع مؤشرات الثقة، ويتسع الانغلاق السياسي،
وتتزايد المخاوف بشأن أوضاع الحقوق والحريات، بينما تواجه مؤسسات الدولة ضغوطًا متصاعدة على مختلف المستويات.
في مثل هذا السياق، لا يبدو النقاش حول العفو مجرد مناسبة سنوية أو مسألة قانونية، بل يتحول إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية إدارة الدولة لأزمتها المركبة، ومدى قدرتها على إنتاج مبادرات تعيد الثقة وتخفف الاحتقان، وتؤكد أن الدولة لا تُدار فقط بمنطق إنفاذ القانون، وإنما أيضًا بمنطق الحكمة وحسن إدارة اللحظات المفصلية.
ولعل اللافت هذا العام أن الدعوات إلى العفو لم تعد تعكس تصورًا واحدًا، وإنما ثلاث مقاربات مختلفة، لكل منها منطلقاتها وأهدافها، وإن كانت جميعها تنطلق من الإقرار بأن تونس بلغت مرحلة تستوجب البحث عن مخارج سياسية وحقوقية وإنسانية لأزمة طال أمدها.
تتمثل المقاربة الأولى في الدعوة إلى عفو تشريعي عام، باعتباره مدخلًا سياسيًا للخروج من حالة الانغلاق التي تعيشها البلاد، لا مجرد إجراء قانوني يقتصر أثره على إسقاط التتبعات أو العقوبات. فأنصار هذا التوجه ينطلقون من قناعة بأن تونس تواجه اليوم أزمة سياسية مركبة، انعكست على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وأن استمرار إدارة هذه الأزمة بالأدوات القضائية والأمنية وحدها لن يفضي إلى استعادة الاستقرار أو بناء الثقة، بل قد يكرس مزيدًا من الاستقطاب والانقسام.
وتستند هذه الرؤية إلى أن الدول، عندما تمر بمنعطفات تاريخية حادة، تحتاج أحيانًا إلى مبادرات سياسية استثنائية تعيد فتح المجال العام، وتوفر مناخًا يسمح باستئناف الحوار بين مختلف مكونات المجتمع، بعيدًا عن منطق الغالب والمغلوب. فالعفو التشريعي العام، في هذا التصور، ليس هدفًا في حد ذاته، بل هو أحد الأدوات التي يمكن أن تساعد على تجاوز مرحلة اتسمت بتراكم الخصومات والصراعات، والانتقال إلى مرحلة يكون فيها التنافس سياسيًا داخل الفضاء الديمقراطي، لا داخل أروقة المحاكم والسجون.
كما يرى المدافعون عن هذا الخيار أن الأزمة التي تعيشها تونس لم تعد أزمة أشخاص أو أحزاب، بل أصبحت أزمة ثقة في المؤسسات وفي قدرة النظام السياسي على إنتاج حلول. ولذلك فإن أي مبادرة تعيد الحيوية إلى الحياة السياسية والمدنية، وتفتح الباب أمام حوار وطني أوسع، قد تمثل خطوة أولى نحو استعادة الحد الأدنى من التوافق الوطني الذي تحتاجه البلاد لمواجهة تحدياتها الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يعني هذا الطرح الدعوة إلى طمس الحقيقة أو إلغاء المحاسبة أو تجاهل حقوق المتضررين، وإنما يقوم على فكرة أن التجارب المقارنة أثبتت أن المجتمعات الخارجة من الأزمات الكبرى تحتاج إلى تحقيق توازن دقيق بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الاستقرار، وأن الحلول السياسية، متى توفرت لها الضمانات القانونية والمؤسساتية، قد تكون أكثر قدرة على حماية وحدة المجتمع من استمرار منطق القطيعة والاستقطاب.
أما المقاربة الثانية، فتتمثل في الدعوات إلى الإفراج عن سجناء الرأي، وهي مقاربة حقوقية بالأساس، تنطلق من مبدأ جوهري مفاده أن الاختلاف السياسي، أو التعبير عن الرأي، أو النشاط الصحفي، أو العمل النقابي، أو المشاركة في الاحتجاجات الاجتماعية السلمية، لا ينبغي أن يكون سببًا لسلب الحرية. فالدولة الديمقراطية تُقاس بقدرتها على حماية التعددية وإدارة الاختلاف داخل الفضاء العام، لا بإحالته إلى المجال الجزائي.
وتشمل هذه الدعوات طيفًا واسعًا من الأشخاص الذين طالتهم التتبعات أو الأحكام على خلفية ممارستهم لحرية التعبير أو النشاط السياسي أو النقابي أو الإعلامي أو المدني، من صحفيين، وسياسيين، ونقابيين، ومدونين، ونشطاء في الحركات الاجتماعية، وغيرهم ممن ارتبطت قضاياهم بممارسة حقوق يكفلها الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها تونس. كما يبرز في هذا السياق الجدل الواسع الذي أثاره تطبيق المرسوم عدد 54، والذي أصبح، في نظر العديد من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، أحد أبرز النصوص القانونية التي استُخدمت في ملاحقة أصحاب الرأي والتعبير، بما أثار نقاشًا متواصلًا حول مدى انسجامه مع الضمانات الدستورية لحرية التعبير ومبدأ التناسب في القيود المفروضة على الحقوق والحريات.
ولا تنطلق هذه الرؤية من منطق إعفاء أي شخص من المساءلة القانونية، وإنما من ضرورة التمييز بين الجرائم التي تمس الأشخاص أو الأموال أو الأمن العام، وبين التعبير عن الرأي أو النقد أو النشاط السياسي والمدني السلمي. فالمجال الطبيعي لمعالجة الاختلافات السياسية والفكرية هو الحوار والتنافس الديمقراطي، لا الزج بالمخالفين في السجون.
ويرى المدافعون عن هذا التوجه أن أي انفراج سياسي جدي يصعب تحقيقه دون معالجة هذا الملف، لأن استمرار وجود صحفيين وسياسيين ونقابيين ونشطاء اجتماعيين خلف القضبان يكرس أزمة الثقة في واقع الحقوق والحريات، ويغذي الشعور بانغلاق المجال العام. ومن شأن معالجة هذه الملفات أن تهيئ مناخًا أكثر انفتاحًا يسمح بعودة الحوار والتنافس السياسي والإعلامي والنقابي إلى فضائه الطبيعي، بعيدًا عن ساحات التقاضي والمؤسسات السجنية، بما يعزز فرص التهدئة واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
أما المقاربة الثالثة فهي ذات بعد إنساني واجتماعي، فرضتها الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد. فقد أعادت موجة الحر غير المسبوقة، وما رافقها من ضغط على المرافق العمومية وانقطاعات للكهرباء، تسليط الضوء على أوضاع المؤسسات السجنية، خاصة في ظل الاكتظاظ غير ابمسبوق واضعف التهوءة. ومن هنا برزت دعوات إلى توسيع العفو ليشمل المحكوم عليهم في الجرائم البسيطة، وكبار السن، والمصابين بأمراض مزمنة، وكل من لا يمثلون خطرًا على المجتمع، بما يخفف الضغط داخل السجون ويحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية في ظروف مناخية استثنائية.
ولا تنطلق هذه الدعوة من اعتبارات سياسية أو من تقييم مواقف الأشخاص وانتماءاتهم، بل من مبدأ إنساني بسيط مفاده أن العقوبة هي الحرمان من الحرية، لا الحرمان من الحق في ظروف احتجاز تحفظ الكرامة الإنسانية. كما أن تخفيف الاكتظاظ لا يخدم السجناء فحسب، بل يحسن أيضًا ظروف عمل الإطار السجني، ويقلل من المخاطر الصحية داخل المؤسسات العقابية في ظرف مناخي بالغ الصعوبة.
ورغم اختلاف هذه المقاربات في منطلقاتها وأدواتها، فإنها تلتقي عند تشخيص واحد، وهو أن تونس تعيش أزمة مركبة تستوجب مبادرات قادرة على كسر حالة الجمود السياسي والحقوقي والاجتماعي. فالعفو، بصرف النظر عن أشكاله، ليس مجرد إجراء قانوني، بل قد يتحول في مثل هذه اللحظات إلى رسالة سياسية وأخلاقية تعكس ثقة الدولة في نفسها وفي مؤسساتها، وقدرتها على الجمع بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الحكمة.
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين



شارك رأيك