بقلم فاهم بوكدوس
شهدت البلاد صباح الخميس 20 أوت 2026 اضطرابًا في تزويد محطات الوقود، إثر دخول سائقي شاحنات نقل المحروقات في تحرك احتجاجي فجئي، احتجاجًا على جملة من المطالب المهنية والاجتماعية، من بينها تأخر صرف زيادات متفق عليها، وإشكالات مرتبطة بمستحقات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فضلًا عن ظروف العمل الشاقة. ولم يعلن الاتحاد عن هذا التحرك، لذلك تدخل سريعًا لاحتواء الوضع، واستمع إلى مطالب السائقين، وساهم في إنهاء التوقف وإعادة العمال إلى مواقع عملهم، مع الاتفاق على فتح مسار تفاوضي رسمي للنظر في المطالب، وعلى إمكانية اللجوء إلى الإضراب القانوني إذا تعذر التوصل إلى حلول.
وانتهى بذلك التحرك الفجئي وعادت عملية تزويد محطات الوقود إلى نسقها الطبيعي، لكن المطالب التي أنتجت الاحتجاج بقيت قائمة ومطروحة على طاولة التفاوض. وهنا تبدأ المسألة التي تتجاوز حادثة سائقي المحروقات نفسها، لأن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان العمال قد احترموا الإجراءات القانونية للإضراب، وإنما يتعلق أيضًا بما إذا كانت الأطراف الأخرى قد احترمت التزاماتها والاتفاقات التي أمضتها.
ويحتاج هذا النقاش، قبل كل شيء، إلى استعادة الذاكرة. فمن السهل أن نتعامل مع التحرك الأخير باعتباره حادثة استثنائية أو نتيجة مباشرة لانسداد الحوار الاجتماعي الحالي، لكن مثل هذا التفسير يبقى ناقصًا إذا تجاهل أن الاحتجاجات الفجئية في هذا القطاع لها تاريخ، وأنها ظهرت في مراحل مختلفة من العلاقة بين العمال والنقابات والحكومة وأصحاب المؤسسات.
لذلك، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا احتج العمال اليوم بهذه الطريقة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا فعلنا طوال السنوات الماضية حتى أصبح الاحتجاج الفجئي يتكرر كلما تراكمت المطالب؟
هذا السؤال يغير زاوية النظر إلى الأزمة. فهو لا يبرر التحرك غير المنظم، ولا يلغي ضرورة احترام القانون، لكنه يمنع اختزال المشكلة في شكل الاحتجاج وإخفاء مضمونها. فالاحتجاج المفاجئ لا ينشأ دائمًا لأن العمال يرفضون الحوار، بل قد ينشأ لأن الحوار نفسه لم يتحول إلى آلية دائمة وفعالة لمعالجة المشاكل قبل أن تصل إلى مرحلة الانفجار.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية: يمكن أن يكون التنظيم النقابي ضعيفًا في قطاع ما، ويمكن أن تكون المفاوضة الجماعية محدودة أو متقطعة، ويمكن أن تتراكم المطالب والاتفاقات غير المنفذة، ثم نطلب من العمال، عند لحظة الانفجار، أعلى درجات التنظيم والانضباط،لكن التنظيم لا يظهر عند الطلب،ولا يمكن أن نطالب العمال بأن يكونوا منظمين فقط عندما يحتجون، بينما لا نوفر لهم، في الظروف العادية، مؤسسات وآليات تفاوض منتظمة تسمح لهم بالتعبير عن مطالبهم وتأطيرها ومتابعتها. فكلما ضعفت قنوات التنظيم، أصبحت المطالب أكثر قابلية للظهور في شكل عفوي، وكلما تراجعت المفاوضة المنتظمة، أصبح الانتقال من الصمت إلى الاحتجاج أكثر حدة،
وهذه ليست مشكلة العمال وحدهم، بل مشكلة إدارة النزاع الاجتماعي برمته.
من الطبيعي أن نؤكد أن الإضراب يخضع لإجراءات وأن التحركات المهنية يجب أن تحترم القانون، لكننا نحتاج في المقابل إلى طرح سؤال أكثر بساطة وعمقًا: كيف نطالب العامل باحترام قواعد الاحتجاج إذا لم تحترم الاتفاقات التي يفترض أن تجعل الاحتجاج آخر وسائل الضغط لا أولها؟
عندما يلتزم العامل بإجراءات الإضراب، ويوجه التنبيه في آجاله، ويحترم الشروط القانونية، ثم يجد اتفاقًا ممضى لا ينفذ، وزيادات متفقًا عليها لا تصرف، وحقوقًا اجتماعية تتعطل، فإننا نضعف بأنفسنا حجتنا عندما نطالبه بمزيد من الانضباط،ولا يتعلق الأمر هنا بمنح العمال حق مخالفة القانون، وإنما بالتنبيه إلى أن احترام القانون لا يمكن أن يكون علاقة من طرف واحد. فالقانون يطلب من العامل احترام إجراءات الاحتجاج، لكنه يفترض في المقابل احترام الحقوق والالتزامات التي تجعل اللجوء إلى الاحتجاج استثناءً لا قاعدة.
ويحتاج القانون إلى التزام متبادل حتى يحظى بالثقة. ويحتاج الاتفاق إلى قيمة فعلية حتى يصبح التفاوض ذا معنى. فالعمال عندما يدخلون في مفاوضة جماعية لا يبحثون فقط عن توقيع اتفاق، وإنما ينتظرون أن يتحول الاتفاق إلى حقوق فعلية. وعندما يتكرر عدم تنفيذ الاتفاقات، تتراجع الثقة في الحوار نفسه، ويبدأ العامل في الاعتقاد بأن الطريق المؤسساتي لا يؤدي إلى نتيجة،عندها تبحث المطالب عن منافذ أخرى.
ولا يعني ذلك تبرير كل تحرك فجئي أو اعتبار كل مخالفة قانونية مشروعة، لكنه يعني فهم أسباب ظهورها. فالتحركات العفوية لا تولد دائمًا من رغبة في الفوضى، بل قد تعبر عن أزمات حياتية ومهنية عميقة لم تجد من يسمعها، وعن مطالب لم تجد طريقها إلى المفاوضة الجماعية، وعن شعور بأن القنوات التقليدية لم تعد قادرة على إنتاج حلول،لذلك، فإن مواجهة العشوائية لا تبدأ فقط بمنع العشوائية، وإنما تبدأ أيضًا بإعادة بناء التنظيم الذي يمنعها. ومن يريد مقاومة الاحتجاجات الفجئية عليه أن يسأل عن أسباب ضعف التأطير النقابي والمفاوضة الجماعية، بدل أن يتعامل مع كل انفجار اجتماعي باعتباره خطأً ارتكبه العمال وحدهم.
فالنقابة ليست فقط الجهة التي تعلن الإضراب. فوظيفتها الأهم ان تحول المطالب الفردية والمتفرقة إلى مطالب جماعية قابلة للتفاوض، وأن تراقب تنفيذ الاتفاقات، وأن تتدخل قبل أن يتحول الغضب إلى أزمة،وهنا تظهر أهمية ما حدث مع سائقي المحروقات. فلم يتبنَّ الاتحاد التحرك الفجئي، لكنه لم يتعامل مع العمال باعتبارهم خصمًا يجب التخلص منه. تدخل، واستمع إلى مطالبهم، وساهم في إنهاء التوقف والعودة إلى العمل، ونقل المطالب إلى مسار تفاوضي رسمي،وهذه هي الوظيفة التي ينبغي أن تؤديها النقابة في لحظات التوتر: أن تؤطر الغضب بدل أن تنكره، وأن تنظّم الاحتجاج بدل أن تتركه للعفوية، وأن تفتح طريق التفاوض بدل أن تسمح للنزاع بالتحول إلى مواجهة مفتوحة.
دعوات متواترة لإقحام النيابة العمومية
برزت أيضًا في خضم هذه الأزمة دعوات متواترة إلى تدخل النيابة العمومية وفتح بحث لتحديد المسؤوليات بشأن التحرك الفجئي. وقد تحولت هذه الدعوات، في جزء من الخطاب المتداول، إلى ما يشبه المقاربة الأولى للتعامل مع الأزمة، وكأن الأولوية أصبحت البحث عن العقوبة قبل البحث عن أسباب الاحتجاج،وهنا يطرح الأمر سؤالًا جوهريًا: هل نريد معالجة أزمة اجتماعية أم تحويلها مباشرة إلى قضية جزائية؟
إذا وجدت شبهة جريمة محددة، يأخذ القانون مجراه، ولا أحد يمكنه الاعتراض على تطبيق القانون. لكن مجرد حصول تحرك احتجاجي فجئي لا يحول تلقائيًا نزاعًا مهنيًا إلى ملف جزائي، ولا يجعل النيابة العمومية بديلًا عن الحوار الاجتماعي،فالنيابة العمومية لن تفاوض العمال، ولن تدفع الزيادات المتأخرة، ولن تحل إشكالات الضمان الاجتماعي، ولن تحسن ظروف العمل، ولن تنفذ الاتفاقات،وبالتالي، فإن جعل المقاربة الجزائية مدخلًا أوليًا لأزمة اجتماعية لا يؤدي بالضرورة إلى حلها، لأنه يتعامل مع لحظة الانفجار بدل أن يتعامل مع المسار الذي أدى إليها.
وإذا تحولت كل أزمة اجتماعية إلى دعوات بالاحتكام إلى القضاء، فإننا نكون بصدد تغيير طبيعة إدارة النزاعات الاجتماعية: من التفاوض إلى العقوبة، ومن الوساطة إلى الردع، ومن البحث عن الحل إلى البحث عن المسؤول.
وهذا لا يعني تعطيل القانون، وإنما يعني وضع كل مؤسسة في موقعها الطبيعي. فالقضاء يعالج الأفعال التي يجرمها القانون، بينما تعالج المفاوضة الاجتماعية أسباب النزاع المهني وشروط العمل والحقوق والالتزامات.
لا ينبغي أن نبحث عن المسؤولية فقط عند لحظة الانفجار:
لا ينبغي أن نبحث عن المسؤولية فقط عند لحظة الاحتجاج. فعندما تتراكم المطالب، وتتأخر المستحقات، ولا تنفذ الاتفاقات، ولا تجد المفاوضات طريقها إلى حلول، يتراكم الغضب،وعندما يصل الغضب إلى الشارع يصبح من السهل إدانة شكل الاحتجاج، لكن يصبح من الأصعب تجاهل الظروف التي أنتجته،لهذا يجب أن نعيد ترتيب السؤال: بدل أن نسأل فقط لماذا لم يحترم العمال إجراءات الاحتجاج، علينا أن نسأل أيضًا لماذا لم تكن لديهم، قبل الوصول إلى الاحتجاج، آلية فعالة تجعلهم غير مضطرين إلى الوصول إليه بهذه الطريقة.
إذا أردنا أن يكون الإضراب المنظم هو القاعدة، يجب أن تكون المفاوضة المنتظمة هي القاعدة. وإذا أردنا أن يحترم العمال الاتفاقات والقوانين، يجب أن يشعروا بأن الاتفاقات والقوانين تحميهم أيضًا،ولا يمكن أن نبني ثقافة قانونية واجتماعية مستقرة على قاعدة تقول للعامل: احترم القانون عندما تحتج، بينما لا يجد ضمانًا مماثلًا بأن تحترم بقية الأطراف التزاماتها عندما تفاوضه.
لقد انتهت أزمة سائقي المحروقات بالحوار وعاد العمال إلى العمل، وعادت عملية التزويد إلى نسقها الطبيعي، وانتقلت المطالب إلى طاولة التفاوض. وهذه هي المقاربة التي تستحق الدفاع عنها: حماية الحق النقابي، وإعادة الاعتبار للمفاوضة الجماعية، واحترام الاتفاقات، وبناء تنظيم نقابي قادر على التأطير قبل مطالبة العمال باحترام قواعد النزاع.
لا ينبغي أن نسمح للحظة الاحتجاج بأن تمحو تاريخ القطاع، ولا أن نسمح لشكل الاحتجاج بأن يحجب مضمون المطالب، كما ان البديل عن النقابة ليس بالضرورة الهدوء، فقد يكون العشوائية. والبديل عن الحوار ليس بالضرورة الاستقرار، فقد يكون الانفجار. ومن يريد مجتمعًا أقل توترًا وأكثر انضباطًا، عليه ألا يحارب أدوات التنظيم النقابي، بل أن يجعلها أكثر قوة وفاعلية،فاحترام قواعد الاحتجاج يبدأ باحترام أسباب الاحتجاج، واحترام القانون يبدأ باحترام الاتفاقات والالتزامات.
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيي



شارك رأيك