رضا الشكندالي يعلق: “…عندما يصبح «الكاش» مرآة لأزمة الاقتصاد”

رضا الشكندالي الأستاذ الجامعي اختصاص اقتصاد يعلق عبر التدوينة التالية على ما أعلنت عنه الحكومة بخصوص تجاوز حجم النقد المتداول حاجز 30 مليار دينار خلال شهر أوت 2026:

“1. لأول مرة في تاريخ تونس، يتجاوز حجم النقد المتداول حاجز 30 مليار دينار خلال شهر أوت 2026. والأخطر من الرقم في حد ذاته هو سرعة ارتفاعه: فقد كان في حدود 25.9 مليار دينار قبل سنة، أي أن الاقتصاد استوعب خلال عام واحد أكثر من 4 مليارات دينار إضافية من الأوراق والقطع النقدية.

  1. لا يمكن تفسير هذه الزيادة بالتضخم وحده. صحيح أن ارتفاع الأسعار يجعل الأسر والمؤسسات تحتاج إلى كمية أكبر من النقود لتمويل نفس حجم المعاملات، لكن ارتفاع النقد المتداول بوتيرة تقارب 16% في سنة، في اقتصاد لا ينمو بهذه السرعة، يدل على وجود تغير في سلوك المتعاملين وطرق تسوية المعاملات.
  2. من أهم العوامل في رأيي التحول الذي أحدثه القانون الجديد للشيكات. فقد تراجع استعمال الشيك كأداة للدفع، بينما لم تتطور بالسرعة نفسها البدائل الرقمية والإلكترونية. والنتيجة أن جزءًا من المعاملات التي كانت تمر عبر الجهاز البنكي أصبح يميل إلى «الكاش».
  3. ويضاف إلى ذلك التخلي عن سقف التداول النقدي الذي كان يحد من استعمال الأموال نقدًا في المعاملات الكبرى. وعندما ترفع القيود على الدفع النقدي في اقتصاد ما زالت فيه وسائل الدفع الإلكترونية محدودة الانتشار، فمن الطبيعي أن يصبح النقد أكثر جاذبية.
  4. ثم هناك العامل الهيكلي الأخطر: الاقتصاد الموازي. فكلما اتسعت المعاملات غير المصرح بها، زاد الاعتماد على النقد بدل التحويلات والحسابات البنكية، لأن النقد يوفر درجة أعلى من عدم التتبع. ولذلك فإن ارتفاع النقد المتداول يمكن أن يكون، جزئيًا، مؤشرًا على اتساع مساحة الاقتصاد التي تعمل خارج الدورة الرسمية.
  5. أهم التداعيات الاقتصادية والمالية :
  • إضعاف الوساطة المالية. عندما يحتفظ الأفراد والمؤسسات بجزء أكبر من أموالهم في شكل نقد، بدل إبقائها في الحسابات البنكية، فإن البنوك تفقد جزءًا من الموارد التي يمكن أن تتحول إلى قروض وتمويل للاستثمار والاستهلاك. وبالتالي، فإن الاقتصاد قد يصبح أكثر اعتمادًا على النقد وأقل اعتمادًا على الوساطة البنكية في تمويل النشاط.
  • تراجع فعالية السياسة النقدية. فالبنك المركزي يستطيع التأثير في الاقتصاد من خلال أسعار الفائدة والسيولة والقطاع البنكي، لكن كلما اتسعت المعاملات التي تتم خارج القنوات البنكية، أصبح انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي أكثر صعوبة وبالتالي مفتوحة التضخم المالي عبر الترفيع في نسبة الفائدة المديرية تصبح بدون جدوى.
  • تراجع المداخيل الجبائية : المعاملة النقدية غير المصرح بها تعني نشاطًا اقتصاديًا لا يظهر بالكامل في الحسابات الرسمية، وبالتالي خسارة للدولة في الموارد الجبائية.
  • منافسة غير عادلة للمؤسسات التي تعمل بصورة قانونية وتتحمل الضرائب والأعباء الاجتماعية.
  • ارتفاع التضخم المالي : زيادة السيولة المتاحة للإنفاق، إذا لم تقابلها زيادة مماثلة في الإنتاج، يمكن أن تساهم في ارتفاع الأسعار خاصة وأن الاقتصاد التونسي يعاني منذ مدة من اختناقات في العرض ونقص بعض المواد الأساسية.
  1. تجاوز عتبة 30 مليار دينار يجب ألا يُقرأ كرقم نقدي فقط، وإنما كـإشارة اقتصادية تستحق التوقف: لماذا أصبح الاقتصاد التونسي يحتاج إلى هذا الحجم المتزايد من «الكاش» رغم تطور التكنولوجيا المالية؟
  • الحل ليس في منع النقد بالقوة، وإنما في جعل الدفع عبر الجهاز البنكي أكثر جاذبية من الدفع نقدًا: تطوير الدفع الإلكتروني، تخفيض كلفته، تعميم الدفع الفوري، تعزيز الثقة في البنوك، توفير وسائل دفع بديلة عن الشيك، ومراجعة التشريعات التي قد تدفع المتعاملين، بصورة غير مباشرة، إلى العودة إلى النقد.
  • وفي الوقت نفسه، لا بد من معالجة أصل المشكلة: إدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد الرسمي، لا بمجرد العقوبات، وإنما أيضًا بتبسيط الجباية والإجراءات وتخفيف كلفة الانتقال إلى القطاع المنظم”.

شارك رأيك

Your email address will not be published.