حرائق الغابات و قصور السياسات البيئية في تونس

 أصدر قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يوم الخميس 3 سبتمبر 2026 البيان التالي تحت عنوان “موجة جديدة من حرائق الغابات:  أزمة مناخية تكشف مجددًا قصور السياسات البيئية”.

اندلعت منذ يوم الخميس 27 أوت 2026 سلسلة جديدة من الحرائق هي الثانية بعد موجة الحرائق التي شهدتها البلاد خلال شهر جويلية. وقد التهمت هذه الحرائق مساحات شاسعة من الغطاء الغابي في جبل برقو من ولاية سليانة حيث تم إجلاء 134 شخصاً بالمدرسة الإعدادية ببرقو بعد تسجيل أضرار مادية مباشرة بالمساكن والأراضي الفلاحية حسب ما أفاد به مصدر مسؤول بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بسليانة. كما امتدت نحو معتمدية الوسلاتية بولاية القيروان. وكشفت الحصيلة الأولية عن تسجيل 239 حريقا غابيا أتت على أكثر من 14 ألف هكتار، دون احتساب المساحات التي طالتها النيران مؤخرا وذلك وفق ما أكده المقدم بالحماية المدنية خليل المشري في تصريح له يوم 1 سبتمبر 2026. 

 وتتزامن هذه الحرائق مع موجة حرائق أوسع وأشد فتكًا اجتاحت غابات جيجل ومناطق أخرى في الجزائر، خلّفت عدد من الضحايا والمهجّرين، إضافة إلى خسائر كبرى في الغطاء النباتي والثروة الحيوانية، في مشهد إقليمي متشابه يعكس تسارع وتيرة الأزمة المناخية في منطقة شمال أفريقيا. 

هذه الحرائق ليست حادثة معزولة، بل حلقة أخرى في سلسلة أزمات مناخية متتالية شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، من موجات الحر الاستثنائية خلال هذه الصائفة، إلى فيضانات جانفي في بداية سنة 2026، وصولًا إلى تتالي سنوات الجفاف وتفاقم أزمة الانقطاعات المتكررة في التزود بالماء الصالح للشرب. ويعكس تواتر هذه الأحداث المناخية المتطرفة، من جهة، حجم الأزمة المناخية والبيئية التي تعاني وستعاني منها المنطقة خلال السنوات القادمة، ومن جهة أخرى، هشاشة بنيوية في منظومة التصرف في المخاطر المناخية والبيئية، وضعف الاستراتيجيات الوطنية وعدم ملاءمتها لهذه المخاطر المتسارعة التي تعيشها تونس ومنطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا بشكل أشمل. 

إن ما عشناه خلال هذه الصائفة من حرائق الغابات يكشف عمق الفجوة بين خطاب الاستعداد الرسمي المعلن عنه ضمن الاستراتيجية الوطنية للتوقي من الحرائق والواقع الميداني. وعليه، فإننا نعبّر عن تضامننا الكامل مع العائلات المتضررة في برقو والوسلاتية وفي مختلف المناطق المنكوبة بالحرائق في تونس والجزائر، وندعو إلى: 

  • ⁠ضمان الإحاطة الاقتصادية والاجتماعية والنّفسية بالمتضرّرين. والمتضرّرات ، وتقديم التعويضات اللازمة لكل من طالت الحرائق مسكنه أو مورد رزقه. 
  • ⁠ اجراء ⁠تقييم علني ومستقل للاستراتيجية الوطنية للتوقي من الحرائق المعلن عنها من قبل مصالح وزارة الفلاحة خلال شهر ماي المنقضي، ولدرجة الاستعداد الفعلي لموسم الحرائق 2026، مع تحديد أسباب اندلاعها والخطط الاستباقية للحد من احتمالية تكرار حدوثها. 
  •  ⁠تخصيص الإمكانيات اللازمة لأعوان الغابات والحماية المدنية، من حيث الاعتمادات المالية والمعدات والموارد البشرية، بشكل دائم ومتوافق مع اتساع الرقعة الجغرافية للمساحات الغابية المهددة، وتفادي التمويل الظرفي المرتبط بتطويق الكارثة عند اندلاع النيران. 
  • ⁠ ⁠اعتماد التكنولوجيات الحديثة في عمليات المراقبة والإنذار المبكر ومكافحة الحرائق، على غرار تزويد أبراج المراقبة الغابية بكاميرات الرصد الحرارية، والاعتماد على الطائرات المسيّرة لرصد ومراقبة الغابات. 
  • ⁠تشجيع مؤسسات البحث العلمي على تطوير حلول أكثر تأقلمًا مع خصوصيات المنظومة الغابية، ودعم الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions) مثل تنويع الغطاء النباتي واعتماد أصناف غابية محلية أكثر مقاومة للحرائق، مع إدماج الرعي الموجَّه والمساحات الرعوية المفتوحة كحواجز طبيعية تُبطئ زحف النار. 
  • ⁠ ⁠اعتماد مقاربة تشاركية في إدارة مخاطر الحرائق تجمع بين الهياكل المختصة والمؤسسات البحثية والمجتمع المدني وسكان الغابات. 

وفي الختام، لا بدّ من تبني سياسات عمومية متكاملة ومتعددة المجالات لإدارة المخاطر المناخية، تدمج بين الوقاية، وإدارة الموارد الطبيعية، والتخطيط المسبق، وتتجاوز منطق التدخلات الموسمية المتفرقة في التعامل مع الأزمات البيئية. 

قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية 

شارك رأيك

Your email address will not be published.