تراجع تونس في حرية الاستثمار: ماذا يقول المؤشر عن الاقتصاد ومناخ الأعمال؟

بقلم فاهم بوكدوس
وفق المعطيات التي نشرتها اليوم الاثنين 7 سبتمبر 2026، منصة The Global Economy، تراجعت تونس بشكل حاد في فرع «حرية الاستثمار» من مؤشر الحرية الاقتصادية، لتحتل المرتبة 164 عالمياً من بين 175 دولة، بعدما تراجع رصيدها إلى 20 نقطة فقط، مقابل 30 نقطة سنة 2025. وتمثل هذه النتيجة أدنى مستوى تاريخي تسجله تونس في هذا المؤشر، كما أنها تقل بكثير عن المتوسط العالمي البالغ 53 نقطة.

وتعتمد منصة The Global Economy في نشر هذه البيانات على معطيات ومؤشرات Heritage Foundation الأمريكية، وهي مؤسسة بحثية وفكرية معروفة بتوجهاتها الاقتصادية الليبرالية، وتصدر منذ سنوات مؤشر الحرية الاقتصادية الذي يقيس مجموعة من العوامل المرتبطة بمدى انفتاح الاقتصاد وقدرة الأفراد والمؤسسات على ممارسة النشاط الاقتصادي والاستثمار. وبالتالي، فإن The Global Economy ليست الجهة التي وضعت المنهجية الأصلية للمؤشر، وإنما تقدم البيانات ضمن قاعدة مؤشرات اقتصادية دولية.

وهنا تبرز ضرورة التعامل مع هذا الترتيب بقدر من الحذر. فهذا ليس مؤشراً رسمياً دولياً ولا يمكن اعتباره حكماً نهائياً على جاذبية بلد للاستثمار، كما أن منهجيته تعكس، بدرجة ما، التصور الاقتصادي للجهة التي أعدته. لكن ذلك لا يعني أن نتائجه بلا قيمة. فالمؤشر يعتمد على مجموعة من العناصر التي يمكن أن تكون ذات دلالة فعلية بالنسبة إلى المستثمر، من بينها حجم القيود التنظيمية، والبيروقراطية، والقيود على الملكية، ومخاطر نزع الملكية، والقيود على الصرف وحركة رؤوس الأموال، إلى جانب عدد من العوامل المرتبطة بالبيئة المؤسساتية والاقتصادية.

ومن هذه الزاوية، فإن أهمية الرقم التونسي لا تكمن فقط في المرتبة 164، وإنما في ما تكشفه بقية المؤشرات عن طبيعة الاختلالات. فتونس تحصل، وفق البيانات المنشورة، على 72.4 نقطة في الحرية النقدية، وهي أفضل نتائجها، و59 نقطة في حرية ممارسة الأعمال، و56 نقطة في كل من حقوق الملكية وحرية العمل، و55 نقطة في الحرية التجارية. لكن النتائج تتراجع بشكل واضح في مجالات أخرى، إذ لا تتجاوز 42 نقطة في الحرية من الفساد و30 نقطة في الحرية المالية، فيما تحصل الحرية الجبائية على 16 نقطة فقط، وهي أضعف نتيجة في المؤشرات المعتمدة. أما المؤشر العام للحرية الاقتصادية فيستقر عند 48 نقطة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن مشكلة الاستثمار في تونس لا يمكن تفسيرها بعامل واحد. فهناك، وفق المؤشرات والعناصر التي يعتمدها التصنيف، بيروقراطية وتعقيد في الإجراءات الإدارية، وضغط جبائي مرتفع، وقيود مرتبطة بالصرف وحركة رؤوس الأموال، وصعوبات في التمويل، فضلاً عن الإشكالات المتعلقة بالملكية والقواعد المنظمة للاستثمار. وهي كلها عوامل تؤثر في قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات طويلة الأمد، وفي استعداد المستثمر لتحمل المخاطر المرتبطة بالسوق التونسية.

وتزداد دلالة هذه النتيجة عند مقارنتها بالمنطقة. فالمغرب، وفق المؤشر نفسه، يحتل المرتبة 17 عالمياً ويسجل 80 نقطة في حرية الاستثمار، في حين جاءت الجزائر في المرتبة 141 عالمياً. كما تصدرت البحرين الدول العربية بـ90 نقطة. وهذه المقارنات لا تعني بالضرورة أن تجربة بلد يمكن نقلها حرفياً إلى تونس، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول الأسباب التي تجعل بيئات اقتصادية مختلفة أكثر قدرة على استقطاب الاستثمار مقارنة بتونس.

لكن الأهم أن الاستثمار لا يمكن اختزاله في الحوافز الجبائية أو تبسيط الإجراءات الإدارية. فالمستثمر يحتاج قبل كل شيء إلى الثقة والاستقرار والقدرة على التنبؤ. ومن الصعب الحديث عن مناخ استثمار جاذب ومستدام من دون دولة قانون، واستقرار القواعد، واحترام الحقوق، واستقلالية القضاء، وضمان إمكانية اللجوء إلى قضاء مستقل للفصل في النزاعات وحماية الحقوق والممتلكات.

كما أن المناخ الاقتصادي لا ينفصل عن المناخ العام للحريات. فحرية المبادرة والنشاط الاقتصادي تحتاج إلى بيئة مؤسساتية تضمن حرية التعبير وتداول المعلومات ووضوح القواعد والمساءلة والشفافية. والمستثمر، سواء كان تونسياً أو أجنبياً، لا يبحث فقط عن الامتيازات، وإنما عن بيئة يستطيع فيها أن يثق في المؤسسات وأن يعرف أن حقوقه ستكون محمية وأن القواعد لن تتغير بشكل مفاجئ أو انتقائي.

ومن هنا، فإن قراءة تراجع تونس إلى المرتبة 164 لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد سجال حول مصداقية مؤسسة Heritage أو إلى مادة لتأكيد صورة سلبية عن الاقتصاد التونسي، ذلك ان المنهجية قابلة للنقاش والنقد، لكن الأسئلة التي يطرحها المؤشر لا يمكن تجاهلها. لماذا تتراجع حرية الاستثمار؟ لماذا يبقى الضغط الجبائي مرتفعاً؟ لماذا يصعب التمويل؟ ولماذا يشعر المستثمر والمؤسسة بكلفة البيروقراطية وعدم وضوح القواعد؟

قد لا يكون هذا المؤشر حكماً نهائياً على الاقتصاد التونسي، لكنه يقدم إشارة تستحق النقاش الجدي. فاستعادة القدرة على جذب الاستثمار لا تمر فقط عبر قانون جديد أو حوافز إضافية، وإنما عبر بناء بيئة اقتصادية ومؤسساتية تقوم على الوضوح والاستقرار والشفافية، وعلى الحرية الاقتصادية بالتوازي مع الحريات العامة، ودولة القانون واستقلال القضاء. فالثقة التي يبحث عنها المستثمر لا تُصنع بالامتيازات وحدها، وإنما تُبنى أساساً عندما يطمئن إلى القانون والمؤسسات ومستقبل استثماره.

*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.