إضراب جماعي لمعتقلي «أسطول الصمود»: من معركة وائل نوار إلى مواجهة مفتوحة حول الحرية وفلسطين

*بقلم فاهم بوكدوس *

دخل سجناء «أسطول الصمود»، غسان الهنشيري وغسان البوغديري ونبيل الشنوفي، أمس الخميس 10 سبتمبر 2026، في إضراب جوع مفتوح من سجن المرناقية، ليلتحقوا بوائل نوار الذي يواصل إضرابه منذ 16 أوت، وفق رسالة صادرة عن المعتقلين. ويطالب المضربون بالإفراج عنهم وحفظ التهم والتتبعات في حقهم، ورفض ما يعتبرونه مساراً لتجريم إسناد القضية الفلسطينية.

وبذلك انتقلت معركة وائل نوار من فعل احتجاج فردي إلى تحرك جماعي، وتحولت قضية أربعة من أبطال «أسطول الصمود» من ملف يتعلق بأوضاع معتقلين إلى قضية أوسع تمسّ حدود الحرية وحق التونسيين في التضامن مع فلسطين والاحتجاج والعمل المدني. وفي تقديري، تكمن أهمية هذه الخطوة في أن المعتقلين لا ينظرون إلى وضعهم باعتباره مجرد نزاع قضائي، وإنما باعتباره اختباراً فعلياً لما تبقى من هامش الحريات، ولحدود التعامل مع النشاط التضامني والسياسي والمدني.

ان هؤلاء ليسوا مجرد معتقلين في قضية عابرة. إنهم من أبطال «أسطول الصمود» الذين رفعوا اسم تونس عالياً في العالم، وشاركوا في واحدة من أبرز المبادرات المدنية الدولية لكسر الحصار عن غزة وإسناد الشعب الفلسطيني. لقد واجهوا الاحتلال في البحر، وواجهوا آلة القمع في الزنازين التابعة للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتحملوا الاعتقال والإذلال لأنهم اختاروا أن يكونوا في الصف المتقدم من معركة إنسانية وسياسية عادلة.

ومن المفارقة المؤلمة، بل ومن العار، أن يجد هؤلاء الأبطال أنفسهم، بعد عام تقريباً من تلك المواجهة، أمام السجون التونسية بدل أن يجدوا التكريم والاحتضان. فمن غير المقبول أن ينتقل من تحدّى الاحتلال في زنازينه إلى مواجهة السجن في بلده بسبب القضية نفسها التي حملها إلى العالم، وأن تتحول تونس، التي كانت في طليعة البلدان الداعمة لأسطول الصمود، إلى فضاء يُضيَّق فيه على بعض أبرز المشاركين فيه.

كما أن التحاق المعتقلين الثلاثة بوائل نوار يغيّر طبيعة المعادلة. ففلسطين، التي كانت حاضرة في تحركات «أسطول الصمود» خارج السجون، تنتقل اليوم إلى داخل السجن، ويصبح الجسد نفسه أداة للاحتجاج ووسيلة للتعبير عن الرفض. وهذا يمنح الإضراب بعداً سياسياً ورمزياً يتجاوز المطالب الفردية للمضربين، خصوصاً في ظل تحركات تضامنية متواصلة في الفضاء العام وعدد من المدن.

وبذلك تتشكل تدريجياً جبهة احتجاجية مزدوجة: إضراب داخل المرناقية وتحركات متعددة الأشكال وفي مدن عديدة، بما يدفع القضية من إطارها القضائي الضيق نحو الفضاء العام ويجعلها قضية رأي عام بامتياز. غير أن أخطر ما في التطور الحالي يبقى الجانب الصحي. فوائل نوار يدخل يومه الخامس والعشرين من الإضراب، فيما يوجد بين المعتقلين الآخرين من يعاني أوضاعاً صحية مقلقة، ما يجعل توسيع الإضراب عاملاً مضاعفاً للمخاطر، وليس مجرد زيادة في عدد المضربين.

ومن هنا تصبح مسؤولية السلطة أكثر مباشرة. فإدارة هذا الوضع بمنطق الانتظار أو الصمت قد تؤدي إلى مآلات صحية وإنسانية يصعب تداركها لاحقاً. وكلما طال الإضراب واتسعت دائرته، تقلص هامش المعالجة الهادئة، وارتفعت كلفة أي تأخير في معالجة الأسباب التي دفعت المعتقلين إلى هذه الخطوة.
والأخطر أن تتحول قضية أبطال «أسطول الصمود» إلى عنوان لمواجهة داخلية حول فلسطين والحرية. فهؤلاء الذين واجهوا الاحتلال في البحر والسجون التابعة له، لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم اليوم مضطرين إلى خوض معركة جديدة داخل السجون التونسية دفاعاً عن حقهم في التضامن مع فلسطين.

إن تونس التي رفعت صوتها عالياً دعماً للأسطول مطالبة اليوم بأن تكون على مستوى ذلك الموقف، وأن تفتح معالجة جدية لهذا الملف بدل تركه يتجه نحو مزيد من التصعيد.

لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد توسع عددي في إضراب الجوع، بل تحول نوعي في طبيعة المعركة: من احتجاج فردي إلى فعل جماعي، ومن ملف سجني إلى قضية رأي عام، ومن المطالبة بالإفراج عن أشخاص إلى نقاش أوسع حول الحرية وحق التضامن مع فلسطين وممارسة الاحتجاج والعمل المدني.

ان السؤال الذي تفرضه هذه التطورات لم يعد فقط: متى ينتهي الإضراب؟ بل: هل ستتجه السلطة إلى معالجة أسباب الأزمة ومراجعة أوضاع أبطال «أسطول الصمود»، بما يحفظ كرامتهم وحريتهم ويضع حداً لهذا المسار، أم ستترك القضية تتدحرج نحو مواجهة مفتوحة داخل السجون وخارجها، بما تحمله من مخاطر صحية وسياسية وإنسانية؟

ان من واجه الاحتلال في زنازينه دفاعاً عن فلسطين، لا يليق أن تختصمه السجون التونسية بعد عام من ذلك.
*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.