صدر في أوت 2020 عن دار «الوطن اليوم» كتاب البروفيسور أحمد عظيمي «شاهد على خيانة وطن». أكثر من ثلاثمائة صفحة يستعيد فيها صاحبها جزءًا من مساره، من سنوات الجيش إلى الجامعة، ثم إلى السياسة، قبل أن يصل إلى الحراك الشعبي وما سبقه من انسداد.
جمال ڨتالة
لا تبدو السيرة هنا بحثًا عن ماضٍ شخصي بقدر ما تبدو محاولة لاستعادة مرحلة من تاريخ الجزائر من موقع رجل كان قريبًا من مؤسساتها، ثم ابتعد عنها وراح ينظر إليها بعين أخرى. عظيمي أمضى 28 سنة في الجيش الوطني الشعبي، وغادر المؤسسة برتبة عقيد. بعدها دخل الجامعة، واشتغل بالتدريس والبحث، قبل أن يخوض تجربة العمل الحزبي.
ذلك المسار المتعدد هو مفتاح الكتاب. كل محطة تترك أثرها في التي تليها، وكل تجربة تعود لاحقًا في صورة سؤال سياسي أو ملاحظة نقدية.
من الجيش إلى الجامعة: سيرة أخرى للصدام
يحرص عظيمي على تحديد موقعه منذ البداية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بعلاقته بالمؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات. يقول: «أنا لم أتشرف أبدا بالعمل ضمن جهاز الاستخبارات DRS». وبعدها مباشرة تقريبًا تأتي عبارة تلخص نظرته إلى مساره كله: «السلاح الوحيد الذي استعملته طوال مساري المهني هو سلاح الكلمة» (ص. 218).
خروج الرجل من الجيش لم يكن نهاية علاقته بالشأن العام. الجامعة أخذته إلى مجال آخر، أكثر التصاقًا بالمعرفة والنقاش. درس بجامعة الجزائر، واشتغل في التعليم والبحث، وأشرف على أعمال جامعية، وكتب في منهجية البحث العلمي.
صفحات الجامعة من أكثر فصول الكتاب إثارة للاهتمام، ربما لأنها تكشف عظيمي في موقع الأستاذ لا في موقع السياسي. النقد يتناول التوظيف، والتسيير، والبحث، وعلاقة الجامعة بالسلطة. ويتوقف عند ما يعتبره تغلغلًا للولاءات الحزبية في مواقع المسؤولية، واصفًا بعض الجامعات بأنها أصبحت «لجان مساندة للسلطة الحاكمة».
العبارة الأقسى تأتي حين يتحدث عن «تفضيل الرداءة على الكفاءة». أما المخابر والملتقيات العلمية فلا تنجو من نقده، خصوصًا حين يرى أن الأموال المرصودة لها لم تنتج دائمًا ما يبرر حجم الإنفاق، ويصف بعض الملتقيات بأنها «كرنفالات لاستهلاك الميزانية».
قد يختلف القارئ مع بعض أحكامه، لكن لا يمكن تجاهل أن النقد صادر عن أستاذ عاش داخل الجامعة وعاين آلياتها من الداخل. يستعيد أيضًا توقيفه سنة 2014 ومنعه لاحقًا من الإشراف على أعمال جامعية، ويربط تلك الوقائع بمواقفه السياسية.
اقتراحاته في المقابل واضحة: جامعة أكثر ارتباطًا بالاقتصاد، تعليم مهني يستفيد من التجارب الأجنبية، بحث علمي لا يعيش على الورق، وتعريب للعلوم لا يتحول إلى شعار فارغ. المثقف، في تصوره، ليس زينة في المشهد العام، بل «المنبه اليقظ للأخطار».
ذلك التصور يفسر جانبًا من غضبه تجاه الجامعة. المسألة بالنسبة إليه تتجاوز قاعة الدرس أو مهنة الأستاذ؛ إنها مسألة نخب، ومن ثم مسألة دولة.
السياسة ستأتي بعد ذلك كامتداد طبيعي لهذا المسار. شارك عظيمي في تجربة تأسيس حزب طلائع الحريات سنة 2012، ثم أصبح ناطقًا رسميًا باسمه. كما شارك في حملة علي بن فليس سنة 2014. تجربة العمل الحزبي لم تمنحه، كما يبدو من الكتاب، مزيدًا من الاطمئنان إلى المعارضة التقليدية. على العكس، زادت من حدة نظرته إليها، إلى حد وصف بعض الأحزاب بأنها تحولت إلى «دكاكين».
عندما تخرج السياسة من المؤسسات
تأخذ الشهادة منحى أكثر حدة عندما تصل إلى حياة صاحبها الخاصة. السياسة لم تعد عندها موضوعًا للتحليل، وإنما أصبحت شيئًا يطرق باب البيت والعائلة.
يروي عظيمي منعه سنة 2016 من تنظيم حفل زفاف ابنه البكر في إحدى قاعات الجيش. ثم يتوقف عند قانون المتقاعدين العسكريين وما يراه وسيلة لإسكات الأصوات المعارضة، قبل أن يروي حادثة محاولة إحراق منزله خلال رمضان 2017.
لا يمكن التعامل صحفيًا مع هذه الوقائع كلها باعتبارها حقائق مثبتة بمجرد ورودها في الكتاب. صاحبها هو من يرويها، وهو من يقدم تفسيره لها، ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى التحقق المستقل، خصوصًا عندما تتضمن الرواية اتهامات خطيرة.
لكن قيمة هذه الصفحات تكمن في مكان آخر. عظيمي لا يكتب فقط عن السلطة والمؤسسات من خارجها؛ يروي كيف يقول إن أثر الصراع السياسي وصل إلى حياته الشخصية. تتحول التجربة العامة إلى ذاكرة خاصة، وتصبح التفاصيل الصغيرة جزءًا من صورة أكبر عن علاقة الفرد بالمؤسسة.
الحراك الشعبي في 2019 يأتي داخل هذا السياق. عظيمي لا يراه انفجارًا بلا مقدمات، بل نتيجة سنوات من الانسداد السياسي وتراكم الأزمات. الأحزاب التقليدية، في قراءته، لم تكن صاحبة المبادرة الأساسية في ذلك الحراك.
تظهر هنا خيبة رجل شارك في العمل السياسي ثم خرج منه محملًا بأسئلة أكثر مما دخل. لا يقدم نفسه كمتفرج على المعارضة، وإنما كشخص عاش التجربة واختبر حدودها، ثم كتب عنها من موقع من يعرف تفاصيلها.
ولذلك يصعب فصل السياسي عن الأكاديمي في شخصيته. حتى حين يتحدث عن السلطة أو الأحزاب، يعود باستمرار إلى مسألة التكوين والنخب والجامعة. وحين يستحضر الأمير عبد القادر، يراه نموذجًا يجمع بين الشجاعة والتسامح وفكرة الدولة. يقول: «لو كان عبد القادر فرنسيا لجعلوا العالم كله يعرفه».
العبارة تختصر جانبًا من علاقته بالذاكرة الوطنية: إحساس بأن الجزائر لم تنجح دائمًا في تقديم رموزها وتاريخها كما ينبغي.
من مرارة التجربة إلى سؤال الديمقراطية
لا يترك عظيمي القارئ عند حدود الغضب. الصفحات الأخيرة تأخذ الكتاب إلى منطقة أخرى: ماذا بعد التشخيص؟ الإجابة التي يضعها المؤلف في مقدمة الحلول تبدو مباشرة: «لا حل أمام الجزائر إلا الحل الديمقراطي» (ص. 230).
الديمقراطية التي يدافع عنها لا تختصر في الانتخابات. يربطها بحرية التعبير، وإصلاح الاقتصاد والمالية، وتغيير منظومة التعليم، ودعم البحث العلمي، وإصلاح الدبلوماسية، وإعادة النظر في الإعلام. كما يدعو إلى إنشاء مراكز بحث وإلى بناء مؤسسات أكثر قدرة على إنتاج المعرفة والخبرة.
هنا يعود الكتاب إلى بدايته من دون أن يكررها. أزمة الجامعة، في نظر عظيمي، جزء من أزمة أوسع. ضعف البحث ليس منفصلًا عن ضعف القرار، وأزمة الأحزاب ليست بعيدة عن أزمة النخب، فيما يظل الإعلام واحدًا من ميادين الصراع على الحقيقة.
حتى «الخيانة» التي اختارها عنوانًا لا تبدو محصورة في شخص أو مؤسسة. المعنى الذي يتشكل عبر الصفحات يرتبط، أساسًا، بما يراه المؤلف ابتعادًا عن مشروع الدولة التي كان يفترض أن تضمن للمواطن كرامته وحريته ومكانه في الحياة العامة.
«شاهد على خيانة وطن» كتاب شخصي، وهذه نقطة قوته ونقطة النقاش حوله في الوقت نفسه. عظيمي يتحدث من موقعه، يستعيد ما عاشه، ويقدم تفسيره للأحداث. لذلك لا يحتاج القارئ إلى الاتفاق معه في كل شيء حتى يجد في شهادته مادة للنقاش.
الأهم أن الكتاب يفتح نافذة على مراحل متباعدة من حياة رجل عاش داخل المؤسسة العسكرية، ثم اختار الجامعة، ودخل السياسة، وعاش تجربة المعارضة، قبل أن يعود إلى الكتابة.
الكتابة هنا ليست ترفًا ولا محاولة لتجميل الماضي. تبدو أقرب إلى تصفية حساب مع ذاكرة ما زالت مفتوحة، وإلى تسجيل شهادة قبل أن تبتلع السنوات تفاصيلها.
في آخر المطاف، يبقى السؤال أكبر من سيرة أحمد عظيمي وحدها. أي جزائر خرجت من سنوات الحرب والتحولات السياسية؟ ماذا فعلت بنخبها؟ ولماذا ظلت الدولة الحديثة، التي يتحدث عنها المؤلف كثيرًا، مشروعًا لم يكتمل؟
ذلك ما يجعل «شاهد على خيانة وطن» يتجاوز صاحبه، حتى حين يظل أسير تجربته. فالكتاب لا يقدم جوابًا نهائيًا عن تاريخ الجزائر، لكنه يضع شهادة شخصية في قلب سؤال عام.
وسواء اتفق القارئ مع عظيمي أو اختلف معه، تبقى عبارته الأخيرة معلقة فوق الكتاب كله: «لا حل أمام الجزائر إلا الحل الديمقراطي».



شارك رأيك