رأي رجل الاقتصاد رضا الشكندالي في تقرير البنك الدولي حول الماء في تونس

حول تقرير البنك الدولي حول تونس الصادر في سبتمبر 2026 تحت عنوان “تحديات الماء في تونس : من الندرة الى الصمود.

أولاً: تشخيص البنك الدولي للاقتصاد التونسي : الاقتصاد التونسي يسجل تعافياً متواضعاً لكنه يواجه اختلالات هيكلية عميقة وضغوطاً تمويلية متزايدة:

  1. نمو متواضع ومزدوج، ومتأخر عن البلدان النظيرة:
  • بعد شبه الركود المسجل في سنة 2023 (نمو بنسبة 0.3%)، انتعش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.7% في 2025 و2.4% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، لتستقر توقعات سنة 2026 عند 2.3% (ومتوسط 2.1% خلال الفترة 2027-2028). ورغم تجاوز الناتج مستواه لما قبل الجائحة، تظل تونس متأخرة عن المغرب، مصر، والأردن.
  • يُعزى النمو بالأساس إلى انتعاش القطاع الفلاحي (+11.7% في 2025 بفضل تحسن التساقطات)، والصناعات الغذائية (+8.9%)، والصناعات الميكانيكية والكهربائية (+4.6%). في المقابل، تراجعت المحروقات (-8.2% في 2025 و-3.9% في النصف الأول من 2026)، والنسيج (-3.3%)، وقطاع البناء (-1.6%).
  • ثنائية القطاع المقيم وغير المقيم (Onshore / Offshore): فائض القطاع غير المقيم (خاصة الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج) يعوّض 44% فقط من العجز الكبير للقطاع المقيم.
  1. تفاقم الاختلالات الخارجية والضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي:
  • اتسع العجز التجاري في النصف الأول من 2026 متأثراً باضطرابات الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، حيث مثّل العجز الطاقي 53% من إجمالي العجز التجاري. وارتفع عجز الحساب الجاري بنسبة 49% بالقيمة الاسمية في النصف الأول من 2026، مع توقعات ببلوغه 4.1% من الناتج في 2026.
  • شهدت الاحتياطيات تراجعاً حاداً في يوم واحد (14 جويلية 2026) من 101 إلى 92 يوم توريد إثر سداد سندات “يوروبوند” بقيمة 700 مليون يورو أُصدرت سنة 2019. وتحسنت لاحقاً إلى 98 يوماً في أواخر أوت 2026 بفضل قروض من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد (500 مليون دولار) وصندوق النقد العربي (312 مليون دولار).
  1. سوق الشغل والفوارق الجندرية:
  • تراجع معدل البطالة رسمياً إلى 14.9% في الثلاثي الثاني من 2026، إلا أن هذا التراجع يعكس انخفاض نسبة النشاط والمشاركة أكثر مما يعكس خلقاً صافياً لمواطن الشغل.
  • فقد الاقتصاد 58 ألف موطن شغل في الثلاثي الثاني من 2026، نتيجة فقدان 72 ألف وظيفة نسائية مقابل إحداث 14 ألف وظيفة للرجال. وتبلغ بطالة النساء 21.6% (مقابل 11.8% للرجال)، مع بقاء نسبة مشاركة المرأة منخفضة هيكلياً عند 27% (مقابل 63.3% للرجال).
  1. المالية العمومية، المديونية ومخاطر المزاحمة (Crowding-out):
  • تراجع عجز الميزانية إلى 5.3% من الناتج في 2025 بفضل تعبئة جبائية مكثفة (نسبة الضغط الجبائي 26.1% من الناتج، مدفوعة بالضرائب غير المباشرة والضريبة على الدخل) والتحكم في كتلة الأجور، مع توقعات بارتفاعه مجدداً إلى 6.0% في 2026 بسبب دعم الطاقة.
  • استقر الدين العمومي عند مستويات مرتفعة (82.2% من الناتج في 2025؛ وتوقعات بـ 84.2% في 2026).
  • التمويل المباشر ومزاحمة القطاع الخاص: شكل الدين الداخلي 60.8% من إجمالي الدين العمومي. وارتفعت مستحقات البنوك على الدولة إلى 27.1% من إجمالي الائتمان في أبريل 2026، مما قيّد نمو القروض الموجهة للقطاع الخاص إلى 3.6% فقط. يُضاف إلى ذلك اللجوء المتكرر للاقتراض المباشر من البنك المركزي التونسي، والذي أذن به قانون المالية لسنة 2026 بقيمة 11 مليار دينار (5.9% من الناتج).
  1. التضخم والسياسة النقدية وإصلاح الشيكات:
  • استقر التضخم حول 5.1% – 5.5% في منتصف 2026 بعد تسجيل أدنى مستوى (4.9%) في جانفي، مع عودة تسارع تضخم المواد الغذائية (6.6% في جويلية 2026).
  • تداعيات قانون الشيكات لسنة 2024: أدى تشديد القيود على الشيكات وإلغاء التجريم الجزئي إلى قفزة تاريخية في تداول النقد الورقي والمعدني (الكاش)، ليمثل 18.8% من الكتلة النقدية M3 في ماي 2026، مع انهيار حجم الشيكات المتداولة بنسبة 62% في الثلاثي الأول من 2025.
    6.الملف الخاص: أزمة المياه الهيكلية:
  • تقع تونس تحت خط الفقر المائي المطلق بحصة سنوية تقل عن 380 متراً مكعباً للفرد (مقارنة بالعتبة الحرجة 500 متر مكعب). تم تعبئة 92% من المياه السطحية، بينما تُستغل الموائد الجوفية بنسبة 133% من قدرتها على التجدد.
  • يقدر التقرير أن كلفة عدم التحرك قد تصل إلى خسارة 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050 وفقدان 30% من مواطن الشغل الفلاحية. تصل نسبة الفاقد في شبكات مياه الشرب للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (SONEDE) إلى 23%، وتتجاوز 30% في شبكات الري العمومية. ولا يُعاد استخدام سوى 10% من أصل 300 مليون متر مكعب من المياه المعالجة سنوياً.

ثانياً: توصيات البنك الدولي
قسّم البنك الدولي توصياته إلى شقين رئيسيين:

  1. إصلاحات الاقتصاد الكلي ومناخ الاستثمار:
  • وقف التمويل النقدي المباشر للميزانية من طرف البنك المركزي تفادياً لضغوط تضخمية وفقدان السيطرة على سعر صرف الدينار.
  • تخفيف مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في القروض البنكية، وإعادة توجيه السيولة نحو المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمشاريع الإنتاجية.
  • إعادة التوازن للمنظومة الجبائية لتقليل العبء المفروض على العمل والاستهلاك، والحد من التحيزات المشوهة للمنافسة.
  • رفع نفقات التنمية والتجهيز (الاستثمار العمومي)، التي هبطت إلى 3.3% من الناتج، بعد سنوات من التضحية بها لصالح نفقات التصرف.
  • تسهيل إدماج المرأة في سوق العمل لتحفيز النمو الكامن والحد من إهدار الطاقات البشرية.
  1. توصيات قطاع المياه(مواءمة مع استراتيجية “مياه 2050” وبرنامج RESEau):
  • الإطار القانوني: المصادقة العاجلة على مجلة المياه الجديدة لتأطير الحوكمة وردع الحفر العشوائي للآبار؛ وإرساء إطار قانوني واضح لمعايير إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة؛ وتأسيس هيئة تعديلية مستقلة للقطاع.
  • الاستدامة المالية والاستثمار: التعديل التدريجي لتعريفات مياه الشرب، والتطهير (ONAS)،
  • والري لتقريبها من استرداد التكاليف (مع إقرار تعريفات اجتماعية للفئات الضعيفة)؛ وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتمويل محطات تحلية مياه البحر ومعالجة المياه.
  • الأداء التشغيلي: تقليص التسربات والفاقد المائي وتعميم العدادات الذكية؛ واللامركزية في تسيير شركة “الصوناد” عبر مراكز مسؤولية جهوية؛ وفرض المعالجة المسبقة للمياه العادمة الصناعية؛ ونقل إدارة شبكات الري العمومية إلى هيئات تسيير مستقلة وخاضعة للمساءلة.
  • ثالثاً: قراءتي النقدية لتقرير البنك الدولي
  • رغم الدقة الإحصائية والتطرق لنقاط اختناق بالغة الأهمية (كالماء والسيولة)، تبرز في طيات التقرير عدة مفارقات منهجية وسياساتية تستدعي التفكيك:
  • إشكالية الترفيع في التعريفات في ظل انكماش المقدرة الشرائية: تدعو التوصيات إلى التعديل التدريجي لأسعار المياه والري لاسترداد التكاليف. من منظور محاسبي بحت، يحد ذلك من عجز “الصوناد” و”الديوان الوطني للتطهير”، لكن من منظور الاقتصاد الكلي والاجتماعي، يأتي هذا المقترح في وقت يعاني فيه المواطن من تضخم كبير في المواد الغذائية. إن رفع كلفة مياه الري سينتقل مباشرة إلى كلفة الإنتاج الفلاحي وأسعار الخضر والغلال، مما يعزز الضغوط التضخمية ويؤثر سلباً على الفئات الوسطى والهشة.
  • التناقض بين انتقاد التمويل الداخلي وغياب البدائل التمويلية الخارجية: يوجه التقرير انتقاداً حاداً لتمويل الميزانية عبر البنك المركزي (الفصل 12 من قانون مالية 2026) ولمزاحمة البنوك. هذا التوصيف دقيق نظرياً لما يحمله من مخاطر التضخم والإضرار بالاستثمار الخاص، لكن التقرير يتجاهل السياق الجيواقتصادي المفروض على تونس: فمع غياب اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتصنيف سيادي يمنع اللجوء للأسواق المالية الدولية، وسداد ديون خارجية كبرى (مثل 700 مليون يورو في يوليو 2026)، لم يكن أمام الدولة سوى تعبئة التمويل الداخلي لتفادي التعثر المالي. إن الدعوة إلى الكف عن الاقتراض الداخلي دون تقديم حلول عملية للتمويل الخارجي تضع صانع القرار أمام معادلة مستحيلة.
  • التركيز على تحرير السوق وإغفال متطلبات السياسة الصناعية للقطاع المقيم: يبرز التقرير الفجوة بين القطاع غير المقيم (Offshore) المصدر والناجح، والقطاع المقيم (Onshore) المتراجع. ويرجع البنك ذلك أساساً إلى عوائق المنافسة والتعقيدات الإدارية. غير أن هذا التشخيص يغفل الحواجز الهيكلية التي تضرب النسيج الصناعي المحلي، وعلى رأسها ضعف الاندماج في سلاسل القيمة، ونقص خطوط التمويل الميسرة، والصعوبات اللوجستية. فتح الأسواق وتحريرها دون تأهيل صناعي وسياسة حمائية ذكية للقطاع المقيم قد يؤديان إلى مزيد من إضعاف المؤسسات الصغرى والمتوسطة التونسية أمام السلع المستوردة.
    4.مخاطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) في تحلية المياه: ينصح التقرير باللجوء إلى عقود الشراكة والاستثمار الخاص لحل معضلة تحلية المياه والصرف الصحي. تكمن المخاطرة هنا في أن تحلية مياه البحر عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة بشكل استثنائي، في وقت تعاني فيه تونس من عجز طاقي يمثل 53% من العجز التجاري. إن إلزام الدولة باتفاقيات شراء طويلة الأجل مع شركات خاصة في ظل أسعار طاقة متقلبة قد يحوّل عبء الديون إلى التزامات مالية مشروطة ترهق ميزانية الدولة مستقبلاً.
  • التقييم الواقعي لآثار قانون الشيكات لسنة 2024: يُحسب للتقرير إبرازه ظاهرة الارتفاع غير المسبوق لنسبة “الكاش” المتداول وقد كنا تحدثنا سابقا على خطورة القانون الجديد للشيكات. هذا المعطى يكشف بوضوح أن الإجراءات القانونية الزجرية أو التنظيمية التي لا تأخذ في الحسبان واقع المعاملات التجارية غير الرسمية وغياب البدائل التمويلية الرقمية السلسة تؤدي عكسياً إلى توسيع رقعة الاقتصاد الموازي، وحرمان الجهاز البنكي من سيولة حيوية كان يمكن توجيهها للاستثمار وتنشيط الدورة الاقتصادية.

شارك رأيك

Your email address will not be published.