يحاول حمدي حشاد، المهندس البيئي والخبير في الشؤون المناخية تبسيط العوامل الجديدة المرتبطة بالأزمات الطاقية و المناخ وآخر ما تطرق له، نشره كما يلي على صفحات التواصل الإجتماعي و قد سبق له أن اشار خلال تصريحاته لوسائل اعلامية بأن صيف 2026 قد يكون الأشد حرارة في التاريخ:
“العالم يبدو وكأنه يدخل تدريجيًا في واحدة من أخطر الأزمات الطاقية المرتبطة بالمناخ، وهي “أزمة التبريد” و هو paradox غريب يعيشه الكوكب اليوم، كلما ارتفعت درجات الحرارة زاد استعمال المكيفات، وكلما زاد استعمال المكيفات ارتفع استهلاك الكهرباء والانبعاثات وبالتالي ترتفع حرارة الكوكب أكثر. حلقة مفرغة أصبحت محور نقاش عالمي داخل المؤسسات الطاقية والمناخية.
اليوم يوجد حوالي 1.6 إلى 2 مليار مكيف هوائي في العالم، لكن التوقعات تشير إلى وصول العدد إلى حوالي 5.6 مليار مكيف بحلول 2050، أي بمعدل يقارب 10 مكيفات جديدة يتم بيعها كل ثانية لعقود كاملة ، التكييف وحده يستهلك تقريبًا 20% من الكهرباء المستعملة داخل المباني عالميًا في دول مثل الهند، الصين، إندونيسيا والبرازيل، الطلب على التبريد ينفجر بشكل غير مسبوق بسبب الحرارة الشديدة، النمو العمراني وارتفاع الطبقة المتوسطة , بعض الدراسات الي اطلعت عليها تتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على التبريد بأكثر من 25% بحلول منتصف القرن، مع إمكانية وصول الزيادة إلى 50% أو أكثر في بعض السيناريوهات المناخية.
المشكلة ليست فقط في عدد المكيفات، بل في “ذروة الطلب الكهربائي” أو Peak Load أثناء موجات الحر، ملايين المكيفات تشتغل في نفس الوقت خاصة بين منتصف النهار والمساء، ما يخلق ضغطًا هائلًا على الشبكات الكهربائية. في بعض الدول، التكييف أصبح يمثل أحد أكبر أسباب الضغط على الشبكات أكثر حتى من بعض القطاعات الصناعية.
حتى وكالة الطاقة الدولية أصبحت تتحدث عن مفاهيم جديدة مثل “Grid Stress” أو إجهاد الشبكات، و “Energy Poverty” أو الفقر الطاقي، حيث توجد عائلات غير قادرة أصلًا على تحمل تكلفة التبريد رغم الحرارة القاتلة في أوروبا مثلا ، حوالي ربع الأسر تقريبًا صرحت بأنها غير قادرة على الحفاظ على منزل بارد خلال الصيف، والنسبة ترتفع أكثر لدى الفئات الهشة والفقيرة.
اليوم يتم تداول مفاهيم جديدة بقوة مثل “Cooling Poverty” أو فقر التبريد، أي المجتمعات التي تعيش تحت حرارة خطيرة دون قدرة على الوصول للتكييف , كذلك ظهر مفهوم “Adaptation Trap” أو فخ التكيف، عندما يصبح الحل الفردي للتأقلم مع الحرارة سببًا في تعميق الأزمة المناخية نفسها.
وهناك أيضًا مفهوم “Urban Heat Island” أو الجزر الحرارية الحضرية، حيث تتحول المدن الإسمنتية إلى خزانات حرارة ضخمة تجعل الحاجة للتبريد أكبر كما يتم الحديث أكثر عن “Passive Cooling” أي التبريد السلبي عبر العمارة المناخية، التهوية الطبيعية، الأسطح البيضاء والخضراء والعزل الحراري بدل الاعتماد الكامل على المكيفات.
المعضلة الكبرى أن المجتمعات الأكثر هشاشة هي الأقل مساهمة في الانبعاثات لكنها الأكثر تعرضًا للحرارة القاتلة والأقل قدرة على اقتناء أو تشغيل المكيفات , في إفريقيا وجنوب آسيا، ملايين الناس يعيشون بالفعل تحت درجات حرارة تتجاوز قدرة الجسم البشري على التحمل لفترات طويلة، بينما البنية التحتية الكهربائية أصلًا ضعيفة لذلك أصبحت بعض التقارير تعتبر أن “الوصول إلى التبريد” لم يعد رفاهية بل مسألة صحة عامة وبقاء إنساني وفي المقابل، إذا استمر العالم في الاعتماد على التكييف التقليدي القائم على الكهرباء والفحم والغاز دون تحول جذري نحو الطاقات المتجددة والكفاءة الطاقية، فإن التبريد نفسه قد يتحول إلى أحد أكبر مسرعات الاحترار العالمي خلال العقود القادمة”.
*حمدي حشاد



شارك رأيك