*بقلم فاهم بوكدوس
ثمة أشخاص يعبرون الحياة في صمت، فلا يملكون منصبًا، ولا يعتلون منبرًا، ولا تصنعهم عدسات الإعلام. يعيشون كما يعيش الناس، بأحلامهم الصغيرة وأوجاعهم اليومية، ثم تأتي لحظة واحدة، لحظة صادقة لا تخضع للحسابات، فتجعلهم جزءً من ذاكرة وطن بأكمله.
كان عبد الجليل حمدي واحدًا من هؤلاء.
ربما لم يكن كثيرون يعرفون اسمه، وربما لم يلتقوا به يومًا، ولم تجمعهم به صداقة أو قرابة أو مهمة، لكنه، شاء القدر، أن يترك لنا صورةً أصبحت أكبر من صاحبها، وأبلغ من آلاف الخطب والشعارات. صورة لا تحتاج إلى شرح، لأن تفاصيلها تتحدث وحدها.
في ذلك اليوم الفارق من أيام الثورة التونسية، يوم كانت البلاد تقف على حافة تاريخ جديد، لم يحمل الرجل سلاحًا، ولم يرفع حجرًا، ولم يلوّح بعصا. حمل رغيف خبز.
ركع على إحدى ركبتيه وسط شارع الثورة، بينما كانت صفوف قوات الأمن تمتد أمامه بعتادها وخوذاتها وهراواتها. وبين الرجل وتلك الصفوف مسافة من الإسفلت، لكنها كانت في الحقيقة مسافة بين عالمين: عالم المواطن البسيط الذي يبحث عن الكرامة، وعالم السلطة التي كانت تحاول أن توقف موجة الغضب.
كان وحده.
والوحدة في تلك الصورة ليست ضعفًا، بل بطولة صامتة.
رجل نحيل، بثياب متواضعة، لا يبدو عليه شيء من ملامح الزعامة أو البطولة التقليدية. لم يكن يقود الجماهير، ولم يكن يخطب في الناس. كان مجرد تونسي بسيط، لكنه في تلك اللحظة حمل على كتفيه رمزية شعب كامل.
أما رغيف الخبز الذي رفعه، فلم يعد مجرد طعام يسد الجوع. تحول إلى رسالة. إلى سؤال موجع: كيف يمكن أن تصبح أبسط حقوق الإنسان سببًا في كل هذا الصراع؟ وكيف يمكن لرغيف صغير أن يقف في مواجهة دولة كاملة؟
لهذا بقيت الصورة.
لم تبقَ لأنها كانت جميلة من الناحية الفنية، بل لأنها كانت صادقة. لأنها التقطت لحظة نادرة، تجرد فيها الإنسان من كل شيء إلا من إنسانيته.
تمر السنوات، وتتغير المواقف، وتختلف القراءات السياسية، ويتجادل الناس حول الثورة وما آلت إليه البلاد، لكن بعض الصور تنجو من كل الخلافات، لأنها لم تعد تخص السياسة وحدها، بل أصبحت تخص الذاكرة.
وصورة عبد الجليل حمدي واحدة من تلك الصور.
كلما عادت إلى الأذهان، عاد معها ذلك الإحساس الغريب الذي يجمع بين الألم والكرامة، بين الخوف والأمل، بين هشاشة الإنسان وقوة موقفه. صورة تقول إن التاريخ قد يصنعه رجل مجهول، يقف في المكان المناسب، في اللحظة المناسبة، حاملًا رغيف خبز بدل أي سلاح.
واليوم، يرحل الرجل.
يرحل بهدوء، كما عاش بعيدًا عن الأضواء، دون أن يطالب بشهرة، أو يسعى إلى أن يصبح رمزًا. لكنه ترك خلفه ما يعجز كثير من المشاهير عن تركه: أثرًا لا يمحوه الزمن.
قد لا يتذكر الناس تفاصيل حياته، ولا مهنته، ولا سنواته الأخيرة، لكنهم كلما مرت ذكرى الرابع عشر من جانفي، أو كلما عادت تلك الصورة إلى الواجهة، سيذكرون أن هناك رجلًا بسيطًا واجه الخوف برغيف خبز، وأن لقطة واحدة كانت كافية لتخلّد اسمه في الذاكرة التونسية.
رحم الله عبد الجليل حمدي.
ورحم أولئك الذين لم يطلبوا المجد لأنفسهم، لكن التاريخ اختارهم ليكونوا وجوهًا لذاكرة الشعوب. بعض الناس يتركون وراءهم كتبًا، وبعضهم يتركون خطابات، أما هو… فقد ترك صورة، وكانت الصورة أبلغ من كل الكلمات.
*فاهم بوكدوس، المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين



شارك رأيك