الرئيسية » صلابةُ الموقف الإيراني وموافقة أمريكا على التفاوض من جديد

صلابةُ الموقف الإيراني وموافقة أمريكا على التفاوض من جديد

صلابةُ الموقف الإيراني وموافقة أمريكا على التفاوض من جديد

لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية إلى حدّ الآن كسر إرادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإخضاعها لشروطها، حاولت السيطرة عليها بالقوة فلم تستطع، وحاولت بالحصار فلم تستطع، وحاولت بالمفاوضات فلم تستطع، وفي كل مرة كان الرئيس الأمريكي أشبه بثور هائج يتوعّد ويهدّد ويطلق صرخاته وصيحاته، ويتوسّل العالم من أجل المساعدة إلا أنه لم يجد الطريق المناسب لفرض إرادته على الشعب والحكومة الإيرانيين.

فوزي بن يونس بن حديد

استعمل دونالد ترامب كل السّبل واستخدم كل الوسائل من التجسّس إلى الاغتيالات إلى تجنيد عملاء إلى الحرب والحصار إلا أن الصلابة الإيرانية ظلت كما هي لم تتزعزع طوال الأشهر الماضية منذ أن اندلعت الأزمة بين أمريكا وإيران، ولأن إسرائيل كانت هي المحرّض الرئيس لهذه الحرب المتواصلة رغم توقّفها في كل مرحلة، إلا أن أمريكا يبدو أنها لم تتعلم الدرس من جهتين، من جهة أن إسرائيل هي التي ورّطتها في المواجهة العسكرية في مراحلها الثلاث، ومن جهة أخرى أن القوة التي تفتخر بها أمريكا على الملأ لم تُؤت أكلها وظلت تراوح مكانها في إيران وفي جميع الجهات جوًّا وبرًّا وبحرًا.

 ورغم ادّعاء أمريكا أنها تسيطر على الفضاء الجوي الإيراني وترتع فيه بكل حرية إلا أنها تلقّت ضربة قاصمة عندما أسقطت إحدى طائراتها الأف 15 بمقذوف يُحمل على الكتف، وعندما حذّرت إيران مدمّرات أمريكا من الاقتراب من مضيق هرمز رجعت أدراجها إلى الوراء، وعندما لم يستطع الجيش الأمريكي الدخول إلى الأراضي الإيرانية برًّا أو بحرًا والسيطرة على جزيرة خارك لخوفها من الخسائر الفادحة التي يمكن أن تتكبّدها بعد أن فشلت هي وإسرائيل في تحقيق أيّ من أهدافهما.

المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات

وعلى هذا يبقى الحلّ الوحيد القادر على إنهاء المشكلة بين إيران وأمريكا يتمثل في الحوار والمفاوضات ولا شيء غير المفاوضات، ولتحقيق ذلك على أمريكا أن تتنازل عن كبريائها وتنزل من برجها العاجي، وتعترف بحقوق الآخرين في تخصيب اليورانيوم لتوليد الطاقة، وفي اختيار من يحكمهم، وعدم التدخّل في شؤونهم ومحاولة نهب ثرواتهم بالقوّة، وتأجيج الشّعوب على حكّامهم، وأن تختار منهجًا يوافق القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويكون الحوار ثنائيًّا أو جماعيًّا بإشراك دول أخرى أو منظّمات عالميّة لها وزنها، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد صياغة نفسها من خلال خضوعها للقانون الدولي وإلزامها ببنوده وتحمّل كل نتائجه، ولا تتحدّث باعتبارها شرطية العالم أو الحاكمة التي لا يُعلى عليها.

وفي الجانب الآخر على إيران إذا رأت تجاوبًا من أمريكا أن ترخي الحبل قليلا بما لا يمسّ سيادتها، أو يطيح بكرامتها، وأن تقبل بالحلول الدّولية التي لا مساس فيها لثروات الشعب الإيراني، ومن حقها أن تطالب بما تشاء، ولكن عليها أن تقبل بما يضمن حريّتها وحرّية شعبها ويحافظ على دستورها، وتتنازل عن ما لا يضرّ مكانتها ويخدش كرامتها، بوفاق واحترام  بين الدول، وعلى هذا يمكن أن تحدث جولات وجولات من المفاوضات والتفاهمات وبناء الثقة التي انعدمت كليا إثر الهجومين المتتاليين اللذين حدثا إثر مفاوضات كانت جادة وربما كادت تخترق جدار الصمت بين الطرفين، إلا أن إسرائيل الطرف الثالث هو الذي سيشوّش كالعادة على هذه المحادثات إن وقعت مرة رابعة في باكستان أو في جنيف أو في غيرها من البلدان.

فشلت كل محاولات القوة التي يدعيها الرئيس الأمريكي

وأعتقد جازما أن الولايات المتحدة الأمريكية ما قبلت بالمفاوضات من جديد حسب كثير من المصادر إلا لأنها كانت مضطرة إليها في وقت فشلت كل محاولات القوة التي يدعيها وزير الحرب الأمريكي في كل مؤتمر صحفي، وقبله الرئيس الأمريكي نفسه، وعندما لا تجد أمريكا حلا بالقوة الضاربة والعميقة فإنها تلجأ إلى السلم وتحاول فرض شروطها، وعلى طاولة المفاوضات إذا كانت لديها أوراق قوية تفاوض بها فإنها تستطيع أن تضع خططا تسمح ببقائها، وإذا لم تكن معها أوراق قوية ضاغطة فإن الطرف الآخر سوف يفرض عليها ما لم تكن تتوقعه.

 وعليه فإن ورقات هرمز، وعدم تحقيق العدو الصهيوأمريكي أيّ هدف من أهدافه المُعلنة، وعدم جدوى الحصار البحري الذي افتعلته أمريكا، وورقة باب المندب في الطريق إن استمر السجال الحربي، ستدفع الولايات المتحدة الأمريكية حتمًا للتفاوض والقبول بالجلوس مرة أخرى على طاولة المفاوضات قسرا للاستماع والإنصات والتوصل إلى نقاط اتفاق حفاظا على السّلم العالمي وعلى ماء وجهها لأنها لو استمرت على هذا المنوال من التهديد والوعيد ستؤول هي الأخرى للزوال والانهيار.

شارك رأيك

Your email address will not be published.