أودعتُ صباح أمس الخميس سؤالًا كتابيًا موجّهًا إلى السيّد وزير الصحّة بخصوص مطلب المنظمة التونسية للأطباء الشبان وأهالي أمّ العرائس وعديد الفاعلين بالجهة القاضي بتسمية المستشفى المحلي باسم المرحوم الدكتور جاد الهنشيري، تقديرًا لما مثّله من صوت مدافع عن الصحّة العمومية ومن تجربة شبابية آمنت بأنّ المستشفى العمومي ليس مجرّد مرفق إداري، بل حقّ اجتماعي وفضاء كرامة للتونسيين
في مساء اليوم نفسه، صدر قرار تعليق نشاط المنظمة التونسية للأطباء الشبان لمدّة شهر، في خطوة صادمة لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها حلقة جديدة ضمن مسار متسارع لتجريم الحياة المدنية المستقلة و الأجسام الوسيطة التي مازالت تعبّر عن نبض المجتمع خارج منطق الطاعة والصمت.
فالمنظمة التونسية للأطباء الشبان لم تكن يومًا هيكلًا مناسباتيًا أو واجهة شكلية بلا أثر، بل مثّلت، على امتداد سنوات، إحدى أهم المساحات التي مازالت تدافع بوضوح عن الصحّة العمومية وعن حقّ التونسيين في العلاج الكريم. وقد اكتسبت مصداقيتها من وجودها اليومي داخل المستشفيات العمومية، ومن التصاقها بمعاناة المرضى والأطباء الشبان، لا من الامتيازات أو التمويلات أو شبكات النفوذ.
يبدو أنّ كلّ جسم مدني يحافظ على استقلاليته، وكلّ صوت يزعج السلطة بطرحه النقدي، أصبح اليوم هدفًا مباشرًا للتضييق والإخضاع. فبعد استهداف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعديد الجمعيات والهياكل المدنية المستقلة، يأتي الدور اليوم على منظمة الأطباء الشبان، في سياق واضح وهو التضييق على الفضاء المدني الحرّ وتحويله إلى فضاء خاضع أو صامت أو خائف.
إنّ أخطر ما في هذا المسار ليس فقط التضييق على الجمعيات، بل تحويل العمل المدني نفسه إلى شبهة، والنقد إلى تهمة، والاستقلالية إلى مصدر ريبة. وكأنّ السلطة لم تعد ترى في المجتمع المدني شريكًا في كشف الأزمات واقتراح الحلول، بل خصمًا ينبغي تأديبه وإسكاته.
البلاد في هذه المرحلة تغرق في واحدة من أخطر أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية: بطالة متفاقمة، غلاء أسعار غير مسبوق، فقدان متكرر للمواد الأساسية، انهيار متواصل للخدمات العمومية، ومستشفيات ومدارس ونقل عمومي تُترك يومًا بعد يوم لمصيرها الكارثي وتضخم متفاقم وميزانيات مهترئة.
فبدل الانكباب الجدي على معالجة هذه الأزمات الحقيقية التي تخنق التونسيين والتشارك الواسع في التصدي لها ، يتمّ توجيه آلة السلطة نحو معارك جانبية هدفها إنهاك الأصوات المستقلة وإلهاء الرأي العام وصناعة عدوّ داخلي دائم تُلقى عليه أسباب الفشل والعجز.
إنّ السلطة التي تعجز عن توفير الدواء والخبز والنقل والشغل، تبدو في المقابل شديدة الكفاءة فقط في محاصرة الجمعيات وتجميد المنظمات والتضييق كلّ من يرفع صوته بالنقد أو يكشف عمق الانهيار الذي تعيشه البلاد. وهذا يكشف بوضوح أنّ المسألة لم تعد مرتبطة بتطبيق القانون أو احترام التراتيب، بل بخيار سياسي قائم على السيطرة الكاملة على المجال العام وتجفيف كلّ إمكانيات الفعل المدني المستقل.
ومن جهة أخرى، فإنّ قرار تعليق نشاط المنظمة التونسية للأطباء الشبان تلاحقه أيضًا تساؤلات قانونية جدّية تتعلّق بمدى احترامه للإجراءات والصلاحيات التي يضبطها القانون المنظّم للجمعيات، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام الطعن فيه ومراجعته قضائيًا.
إنّ الدول التي تثق في نفسها لا تخشى الجمعيات المستقلة، ولا ترتبك من الأصوات النقدية، ولا تعتبر المنظمات الشبابية خطرًا يجب عزله. وحدها السلطات المرتبكة أوالعاجزة عن إنتاج حلول فعلية، تلجأ إلى منطق التجميد والتخويف والهروب إلى الأمام.
وعليه، فإنني أعبّر عن تضامني الكامل مع المنظمة التونسية للأطباء الشبان، ومع كلّ مكوّنات المجتمع المدني التي تتعرّض اليوم للتضييق والاستهداف بسبب استقلاليتها ومواقفها . كما أدعو إلى التراجع عن هذا القرار، ووقف سياسة تجريم العمل المدني، لأنّ تونس التي حلم بها أبناؤها لا يمكن أن تُبنى بإسكات الأصوات الحرّة، بل بفتح المجال للنقد والمشاركة والحوار الحقيقي حول مستقبل البلاد.



شارك رأيك