أعلن الناشط السياسي و الحقوقي عبد الوهاب الهاني المقيم بسويسرا اليوم الأربعاء عبر صفحات التواصل الإجتماعي عن وفاة الحقوقي و الخبير الاقتصادي و الفلاحي الأممي و صديقه جون زيغلار:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.. غادرنا اليوم إلى الرفيق الأعلى الماركسي الأخير في سويسرا وأحد أعلام الفكر في القرن العشرين المغفور له بإذن الله تعالى الصديق سي جون زيغلار، عالم الاجتماع والكاتب والخبير الدولي والمناضل الحقوقي والاجتماعي ونصير الأحرار والمستضعفين وصديق فلسطين..
بدأ جون انخراطه في الشأن العام في بداية ستينات القرن الماضي بملاقاة الثائر الأمريكي الجنوبي تشي غيفارا في جنيف والثائر الإفريقي توماس سانكارا وكوكبة من كبار علماء الاجتماع وفلاسفة عصره، وجمعته صداقة متينة وتعاون كبير مع الشهيد القائد ياسر عرفات أبو عمَّار وفاروق القادومي أبو اللطف وكبار قادة ومناضلي حركة التحرير الفلسطينية بكل ثرائها وتنوعها وأجيالها في الدفاع عن الحق الفلسطيني.. وكان له الفضل بعد الله تعالى في الوساطة والتفاهمات بين الثورة الفلسطينية وسويسرا وأوروبا، بما في ذلك إطلاق سراح مجموعة من الفدائيين في سبعينات القرن الماضي..
وترك جون إرثا سخيا من الإنتاج العلمي الغزي في علم الاجتماع لا يقل عن رفقاء دربه وجيله آلان توران وإدغار موران، وترجمت كتبه لعشرات اللغات وساهمت في بناء وعد نقدي ضد الليبيرالية والامبريالية المتوحشة..
كما انخرط في التصدي لانحرافات رأس المال وخاصة البنكي، وغامر بالبحث في الزوايا المظلمة للنظام البنكي في بلاده وتورطه في التمعش من الحرب والمآسي والإثراء من جرائم النظام النازي.. وهو الكتاب البحثي الذي تسبب له في معارك قضائية وإدارية بغاية إسكاته، وأدت إلى خسارته منصب نائب في البرلمان والعقلة على جرياته كأستاذ جامعي والتهديد بالعُقلة على مسكنه.. لكنهم نسوا أن جون ليس من طينة المثقفين ضعفاء الشخصية والمستكينين، بل هو رمز من رموز المقاومة، مقاومة الرداءة والظلم والعسف..
ثم كان آخر إصداراته، وهو الرجل التسعيني الذي بدأ يشب المرض في شرايين حياته، كتابه البحثي حول معانةاة المُهاجرين في جزيرة ليبسوس اليونانية، أين تنقل للقيام بأبحاثه الاجتماعية وقاسم الضحاي ظرةف حياتهم غير الآدمية..
وقد كان جون نصيرا للحق ولم يبخل بالدعم والمساندة، وعرفته ساحات المظاهرات والمسيرات والتجمعات خطيبا مفوها وبرامج الإذاعة والتلفزيون محاورا بارعا، كما عرفته مدارج الجامعات أستاذا ملهما، وخبرته مخابر البحث في العلوم الاجتماعية باحثا صارما غزير الإنتاح عميق الرؤية والتمحيص.. كما عرفته أروقة الحُكم برلمانيا خدوما لشعبه ولبلاده، ونصيرا للحق، حريصا على تعديل السياسة الخاجرية لبلاده باتجاه أكثر إنسانية ومبدئية وأخلاقية وانتصارا لقضاينا العادلة معاشر أهل الجنوب الكبير..
وواصل مشواره في الدفاع عن الحق كأول خبير أممي معني بالحق في الغذاء، بل يعود إليه الفضل في تطوير هذا الحق وبناء أسسه الفلسفية والقانونية.. ثم حظي بعضوة اللجن الاستشارية لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أين ساهم بشكل حاسم في تعزيز الحقوق الاجتماعية والاقاصتادية وفي إرساء مبدأ المسائلة للشركات العابرة للجنسيات والقارات عن انتهاكات حقوق الإنسان وعدم الاكتفاء بمساءلة الدول التي كثيرا ما تكون عاجزة أمام طُغيان وجشع رأس المال غير المنضبط للقواعد القانونية والأخلاقية..
وكان خير ناصح أمين وخير نصير عندما طلبت استشارته ودعمه في موضوع استعادة الأموال المنهوبة، بعد انهيار أنظمة بن علي والقذافي ومبارك وصالح.. فلم يبخل بالنصيحة والمعلومة وتقديم خبرته الطويلة..
وكان من الخبراء الأممين القلائل الذين ساندونا في مسار استرجاع الأموال المنهوبة وفرض الملف على أشغال مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان منذ سنة 2011 وإلى يومنا هذا.. ولم يتوان لحظة في قبول المشاركة في ندوات حوارية تشرفنا بتنظيمها وإدارتها بمشاركة سفراء تونس وليبيا ومصر واليمن، قبل أن يخبو ويتراجع اهتمام حكوماتنا..
وقبل مشكورا استضافتنا في بيته للمشاركة في فلم وثائقي عن الأموال المنهوبة من إنتاج قناة الجزيرة، رغم كل حملات الشيطنة والتخوين التي تعرض لها.. وأصر أن يستعرض ثروته الرهيبة التي لا تقدر بثمن وهي عشرات الكتب التي ألفها ونسخ ترجمتها لأكثر من عشرين لغة حول العالم..
تفقد فلسطين وإفريقا وأمريكا الاتينية وجنوبنا الكبير والإنسانية جمعاء اليوم عظيما من عظمائنا..
وأفقد ليوم صديقا عزيزا وأخا وفيا لم يبخل عليَّ بالنًصح والدَّعم، حتى بادر وهو على فراش المرض بتزكية شخصنا المتواضع لمناصب أممية وأصرَّ على وضع اسمه في قائمة التزكيات لأي منصب مستقبلي، لمَّا علم بحملات الشيطنة التي قام ويقوم عليها شُذَّاذ الآفاق وصانعي أحاديث الإفك من أراذل وسفلة البعض من بني جلدتنا والبعض من سفراء صدفة الوظيفة..
رحمة الله عليك أيها الأخ العزيز والصديق الوفي.. إلى جنَات الخُلد يا صاحبي.. وليبق إرثك الحقوقي والعلمي والبحثي والفكري والنضالي الجميل أمانة في أعناق الرجال ذكورا وإناثا نتناقلها جيلا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين..
إنا لله وإنا إليه راجعون..



شارك رأيك