*بقلم فاهم بوكدوس
بعيدًا عن الجدل المتعلق بالأسماء أو بقيمة عقود المدربين، يبقى من الضروري التوقف عند المسؤولية الحقيقية عن الوجه المخيب الذي ظهر به المنتخب التونسي في أولى مبارياته في كأس العالم. فهذا الأداء لم يكن مجرد عثرة عابرة أو نتيجة ظرفية، بل كان تتويجًا طبيعيًا لمسار طويل من التراجع الفني والمردود الباهت الذي رافق المنتخب لأكثر من سنة كاملة، وسط مؤشرات متواصلة على غياب الرؤية والقدرة على تطوير الأداء الجماعي للمنتخب.
لكن ما يجعل هذه الخيبة أكبر من مجرد هزيمة رياضية هو حجم الصدمة التي خلفتها لدى التونسيين. فقد دخلت الجماهير هذه المشاركة بأمل كبير في أن يكون المنتخب مصدر فرحة واعتزاز في فترة تحتاج فيها البلاد إلى ما يوحد أبناءها ويمنحهم شعورًا بالفخر والانتماء. غير أن ما شاهدته الجماهير على أرضية الميدان ولّد حالة واسعة من الغضب والإحباط والشعور بالخذلان، ليس بسبب النتيجة فقط، بل بسبب الطريقة التي ظهر بها المنتخب، وكأنه عاجز عن مجاراة الحد الأدنى من متطلبات المنافسة في أكبر محفل كروي عالمي.
لقد شعر كثير من التونسيين بأن المنتخب لم يعكس لا تاريخ كرة القدم التونسية ولا مكانتها القارية، ولم يجسد الروح “القتالية” والشخصية التي ارتبطت لعقود بالكرة التونسية. وكانت الصدمة أكبر لأن الجماهير لم تكن تطالب بالمستحيل أو بحصد اللقب العالمي، بل كانت تنتظر أداءً مشرفًا يعكس قيمة القميص الوطني ويمنح الانطباع بأن هناك عملًا جديًا تم إنجازه استعدادًا لهذا الموعد الكبير. لذلك لم تكن ردود الفعل الغاضبة مجرد انفعال لحظي بعد مباراة، بل تعبيرًا عن حالة احتقان متراكمة وشعور متزايد بأن المنتخب يسير منذ فترة في اتجاه لا ينسجم مع تاريخ الكرة التونسية ولا مع تطلعات جماهيرها.
وتزداد مرارة هذا الشعور عندما يرى التونسيون منتخبات عربية وإفريقية أخرى نتفوق عليها تاريخيًا من حيث المشاركات أو الإرث الكروي، تقدم مستويات أفضل وأكثر تنظيمًا وشخصية، على غرار المنتخب المغربي الذي أصبح نموذجًا للعمل الرياضي المتراكم، أو منتخبات مصر والسعودية وقطر والراس الاخضر اللذين أظهروا قدرة أكبر على التطور ومواكبة متطلبات كرة القدم الحديثة. وهو ما دفع الكثيرين إلى التساؤل بمرارة: لماذا تتقدم تجارب الآخرين بينما تتراجع كرة القدم التونسية عامًا بعد عام؟
إن تحميل المسؤولية للاعبين أو للإطار الفني وحدهم لا يكفي لتفسير ما حدث، لأن القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالتخطيط الرياضي واختيار المدربين وتقييم الأداء ووضع الأهداف تقع أساسًا ضمن صلاحيات الجامعة التونسية لكرة القدم. ومن هذا المنطلق، فإن الجامعة مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة عن هذا الفشل المتراكم، وعن حالة الغضب والإحباط التي يعيشها الشارع الرياضي التونسي اليوم.
وفي المقابل، فإن الدعوة إلى المحاسبة لا تعني بأي شكل من الأشكال المطالبة بالتدخل السياسي في شؤون الجامعة، فاستقلالية الهياكل الرياضية كما تنص عليها لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم ليست محل جدال، ونعتبر أن استقلالية القرار الرياضي مكسبًا مهمًا لحماية كرة القدم من التجاذبات والضغوطات الخارجية، لكن من المهم التأكيد أن الاستقلالية ليست امتيازًا يمنح أصحابه الحق في العمل بعيدًا عن التقييم والمساءلة، وليست حصانة ضد النقد عندما تتكرر الإخفاقات وتتراكم الأخطاء.
فالاستقلالية التي تتمتع بها الجامعة تفرض عليها، في المقابل، مستوى أعلى من المسؤولية والشفافية وتقديم الحصيلة للرأي العام الرياضي. ولا يمكن التمسك باستقلالية القرار عند اتخاذ الخيارات، ثم التنصل من المسؤولية عند ظهور نتائج تلك الخيارات. فمن يملك حرية القرار كاملة، يملك أيضًا المسؤولية كاملة عن نتائجه. لذلك فإن الحديث اليوم عن مسؤولية الجامعة لا يستهدف استقلاليتها ولا يشكك فيها، بل ينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن الاستقلالية والمحاسبة وجهان لعملة واحدة، وأن إحداهما لا تستقيم دون الأخرى،بل إن أخطر ما يمكن أن تواجهه كرة القدم التونسية ليس التدخل في شؤون الجامعة، وإنما أن تتحول الاستقلالية إلى ذريعة للهروب من التقييم والمراجعة. فعندما يشعر الشارع الرياضي بأن سنوات من القرارات والاختيارات لم تنتج سوى مزيد من التراجع، وأن كل انتقاد يُواجَه بالتذرع بالاستقلالية، فإن ذلك يوسع الهوة بين الجماهير والمؤسسة المشرفة على اللعبة، ويعمق الشعور بفقدان الثقة في قدرتها على قيادة مشروع رياضي يعيد للمنتخب مكانته.
ان ما حدث لا يمكن اختزاله في خسارة مباراة أو سوء مشاركة، ما حدث هو نكسة رياضية وشعبية أصابت شعبًا بأكمله كان يبحث عن لحظة فرح واعتزاز، فوجد نفسه أمام أداء أثار الحسرة أكثر مما أثار الأمل. ولذلك فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة مراجعة حقيقية وشجاعة، لأن الجماهير لم تعد تطالب بالوعود والخطابات، بل تريد رؤية مسؤولين يعترفون بالأخطاء ويتحملون نتائجها قبل أن يطلبوا من الشارع مواصلة الصبر وانتظار التغيير. فالاستقلالية التي تُمنح للجامعة لحماية القرار الرياضي لا تكتمل إلا بتحمل كامل المسؤولية عن نتائج ذلك القرار، نجاحًا كان أو فشلًا.
فالنجاح يُنسب إلى من يدير ويخطط ويقرر، ومن الطبيعي أن يتحمل المسؤولية أيضًا عندما تتراكم الإخفاقات وتتراجع النتائج. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مبررات جديدة، بل إجراء مراجعة صريحة وشجاعة لمسار كامل، لأن ما حدث لم يكن مجرد هزيمة في مباراة، بل نكسة رياضية وشعبية أصابت جماهير كانت تنتظر من منتخبها أن يشرف تاريخ كرة القدم التونسية وأن يكون في مستوى طموحاتها وآمالها.
*ف. ب: المدير التنفيذي بالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين



شارك رأيك