بقلم فاهم بوكدوس
تُعلم إدارة حماية المعلومة من المواطنين كافة المواطنات والمواطنين أنّه تقرّر مواصلة العمل بالإجراءات النموذجية الرامية إلى حماية الرأي العام من خطر الاطلاع على ما يجري في الفضاءات العمومية، وذلك بعد النجاح الباهر الذي حققته سياسة “شاهد ما نشاء لك أن تشاهد، واعرف ما نسمح لك بمعرفته”.
وفي هذا الإطار، تم صباح اليوم منع الصحفيين والمصورين من دخول المحكمة بمناسبة الاضراب العام للمحامين حتى لا يتعرضوا لمشاهد خطيرة قد تهدد سلامتهم المهنية، مثل رؤية محامين يحتجون أو سماع مطالبهم أو نقل تصريحاتهم إلى الجمهور. وقد أثبتت الدراسات الافتراضية الصادرة عن المعهد الوطني للخيال الإداري أنّ المواطن يصبح أكثر ارتباكاً كلما حصل على معلومات مباشرة، لذلك ارتأت الجهات المختصة الاكتفاء بترك المجال للإشاعات والتأويلات والتخمينات، باعتبارها أكثر مرونة وأقل إزعاجاً من الوقائع.
وأكدت الإدارة أنّ المحكمة ليست مكاناً مناسباً للصحافة، مثلما أنّ المخبزة ليست مكاناً للخبز، والمستشفى ليس مكاناً للمرضى، والبرلمان ليس بالضرورة مكاناً للنقاش. فلكل مؤسسة خصوصيتها، وخصوصية المحكمة هي أن تبقى أخبارها مجهولة قدر الإمكان.
كما أوضحت الإدارة أنّ الصحفيين ارتكبوا خطأً إجرائياً فادحاً عندما ظنوا أنّ بطاقاتهم المهنية تخوّل لهم ممارسة مهنتهم. وقد تم تذكيرهم بأنّ البطاقة المهنية وثيقة تذكارية جميلة يمكن الاحتفاظ بها في المحفظة أو استعمالها كفاصل للكتب، أمّا النفاذ إلى المعلومة فمسألة أخرى تحتاج إلى موافقات متتالية قد تبدأ من البوابة ولا تنتهي إلا عند التقاعد.
وفي سياق متصل، تم تسجيل حالة من الاستغراب داخل بعض الأوساط الصحفية بعد أن تبيّن أنّ منع التغطية الإعلامية لا يساعد على نقل الأخبار. وقد شكّلت هذه النتيجة صدمة للعديد من المختصين الذين كانوا يعتقدون أنّ الأخبار يمكن أن تنتقل تلقائياً عبر الجدران أو بواسطة التخاطر المهني.
وأكد مصدر مطّلع وغير مطّلع في الوقت نفسه أنّ الهدف من منع الصحفيين ليس التعتيم، بل على العكس تماماً، إذ تسعى الجهات المعنية إلى توفير بيئة هادئة للمعلومات حتى لا تتعرض للإزعاج بسبب النشر أو البث أو التصوير.
وأضاف المصدر أنّ الجمهور لا يحتاج إلى متابعة ما يجري داخل المحاكم لأنّ الخيال الشعبي قادر على سدّ كل الثغرات, فبدل قراءة تقارير صحفية دقيقة، يمكن للمواطن أن يستعين بمنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، أو بتفسيرات أبناء الحي، أو بخبر أكيد وصله من قريب صديق ابن عم موظف سمع شيئاً من شخص مرّ قرب المحكمة.
وفي خطوة رائدة نحو تحديث العلاقة بين الإعلام والقضاء، يجري العمل على تطوير نظام جديد للتغطية الصحفية يُمكّن الصحفي من تغطية الأحداث دون رؤيتها، وكتابة التقارير دون حضورها، وإجراء المقابلات دون مقابلة أحد. وقد اعتبر الخبراء أنّ هذا النموذج يمثل نقلة نوعية في تاريخ الصحافة الصامتة.
كما دعت الإدارة كافة الصحفيين إلى التحلي بالمسؤولية وتجنّب السلوكيات الاستفزازية، مثل طرح الأسئلة، أو طلب المعلومة، أو محاولة التصوير، أو الاعتقاد بأنّ الشأن العام يخصّ العموم.
وفي المقابل، طمأنت المواطنين بأنّ كل شيء يسير على أفضل وجه، وأنّ غياب المعلومات لا يعني وجود مشكلة، بل هو دليل على نجاح سياسة الوقاية من المعرفة. فكلما قلّت الأخبار، زادت الطمأنينة، وكلما اختفت الوقائع، ارتفع منسوب الراحة الإدارية.
وختمت الإدارة بلاغها بالتأكيد على أنّ حرية الصحافة مضمونة بالكامل، شريطة ألا تقترب من حدث، أو تغطي تحركاً، أو تدخل مؤسسة عمومية، أو تبحث عن معلومة، أو تمارس الصحافة بشكل قد يُفهم منه أنّها صحافة.
وعاشت الشفافية,بعيداً عن الأنظار!”.
*ف.ب الرئيس التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين



شارك رأيك