بقلم فاهم بوكدوس
أعلنت اللجنة الوطنية للدفاع عن نشطاء أسطول الصمود والحق الفلسطيني، خلال ندوة صحفية عقدتها اليوم الثلاثاء 18 أوت 2026 ، دخول المناضل وائل نوار في إضراب عن الطعام منذ الأحد 16 أوت، احتجاجًا على استمرار إيقافه إلى جانب رفاقه غسان البوغديري وغسان الهنشيري ونبيل الشنوفي، ومطالبةً بإسقاط التهم الموجهة إليهم والإفراج عن الموقوفين.
وقالت اللجنة إن نوار أطلق على إضرابه اسم «إضراب الصمود»، في إشارة إلى تمسكه بمطلب العدالة لمناضلي أسطول الصمود الموقوفين، وبحرية جميع الموقوفين على خلفية نشاطهم المساند للقضية الفلسطينية
ان الإضراب ليس، في حالة وائل نوار، محطة منفصلة عن مساره، بل يبدو امتدادًا لسنوات طويلة من الاشتباك السياسي والاجتماعي والحقوقي. فقد انطلق صغيرًا في الحركة التلمذية، ثم كبر داخل الحركة الطلابية، وتحول رغم سنه إلى قيادي في اتحاد الطلبة و في حزب العمال، ويصبح فاعلًا وطنيًا ودوليًا في قضايا تتجاوز الحدود، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، سواء عبر حركات المقاطعة أو التنظيم والمشاركة في أساطيل الحرية.
وبين هذه المحطات، ظل وائل حاضرًا في مختلف القضايا الاجتماعية والحقوقية، بصلابة لافتة، وكأنه اختار منذ البداية أن يكون في قلب الاشتباك لا على هامشه،حتى التهديد لم يكن غائبًا عن مساره. فقد ذكره قادة في الكيان الصهيوني بالاسم وهددوه قبل انطلاق أسطول الصمود الأول من تونس. ومع ذلك، أبحر ضمن من أبحروا، لتأتي لاحقًا واقعة اعتراض الأسطول واختطاف المشاركين واعتقالهم، ثم يجد وائل نفسه اليوم داخل سجن المرناقية، يخوض معركة أخرى، هذه المرة بجسده وإضرابه عن الطعام،لكن ثمة تفصيلًا ظل يرافق صورة وائل نوار طوال السنوات الماضية، وفي أغلب الفعاليات التي شارك فيها، حتى أصبح تقريبًا جزءً من صورته العامة: قمصانه التي تحمل صور شخصيات الانمي Anime.
وقد يبدو الأمر مجرد اختيار في اللباس، أو تفصيلًا طريفًا وسط أجواء سياسية ونضالية عادة ما تكون شديدة الجدية. لكن حين نضع هذه الصورة إلى جانب مساره، تصبح المفارقة أكثر إثارة، فشخصيات الـAnime ليست مجرد رسوم متحركة ذات عيون واسعة وشعر بألوان وأشكال خيالية وتعبيرات مبالغ فيها، فخلف هذه الملامح الغريبة توجد عادةً شخصيات ذات قصص معقدة، وماضٍ مؤلم، وأهداف كبيرة، وصراعات مستمرة مع قوى تتجاوز قدراتها:هناك البطل الذي لا يستسلم بسهولة، والشخصية التي تسقط ثم تنهض، والتي تواجه خصمًا أقوى منها، أو تواصل طريقها رغم معرفتها بأن الطريق محفوف بالمخاطر. وهناك أيضًا الشخصيات الغامضة والهادئة، والمشاكسة التي تخفي خلف قسوتها مشاعر أخرى.
ولعل الطريف أن وائل لم يرتد هذه الشخصيات اليوم، بعد أن أصبح سجينًا أو بعد أن تحول إلى اسم متداول في قضية أسطول الصمود. لقد كانت شخصيات الـAnime جزءً من مظهره ومن حضوره في الفعاليات منذ سنوات، بينما كانت حياته السياسية والنضالية تتقدم في مسار موازٍ.
وهنا تصبح الصورة أكثر دلالة،فالرجل الذي اعتدنا أن نراه في الاحتجاجات والفعاليات السياسية والحقوقية مرتديًا شخصية خيالية على صدره، عاش في الواقع مسارًا يشبه، بصورة ساخرة، بعض قصص تلك الشخصيات: بدأ صغيرًا، دخل مبكرًا إلى ساحات المواجهة، واجه خصومًا أكبر منه، تعرض للتهديد، وواصل الطريق، قبل أن يصل به الأمر اليوم إلى السجن والإضراب عن الطعام.
أن يهددك قادة الاحتلال بالاسم ثم تبحر رغم ذلك. أن تدخل في أسطول تعرف مسبقًا أنه قد ينتهي بالاعتراض والاعتقال. أن تختطف وتعتقل، ثم تواصل المعركة من داخل السجن بالإضراب عن الطعام: أليس هذا، في حد ذاته، أقرب إلى سيناريو Anime منه إلى حياة عادية؟
لذلك ربما لا تكون قمصان وائل مجرد “مراول” تثير الضحك، بل تفصيلًا بصريًا أصبح، مع مرور السنوات، جزءً من شخصية يعرفها رفاقه وخصومه وجمهور الفعاليات،وفي ذلك مفارقة جميلة: الـAnime الذي يبدو في ظاهره عالمًا طفوليًا وخياليًا، يحمل في داخله شخصيات تقاوم، تصر، تسقط وتنهض، وتواصل مواجهة المستحيل.
وائل نوار، في المقابل، لا يملك قوى خارقة، انه يملك فقط قناعاته، واستعداده للمخاطرة، وصلابته، وقدرته على المشي فوق الحبال وتجاوز حقول الألغام السياسية والأمنية والقضائية، وحين يصبح السجين مضربًا عن الطعام، فإن الشخصية المطبوعة على قميصه تبدو وكأنها خرجت من الشاشة لترافقه في الزنزانة.
لكن المفارقة أن الخيال هذه المرة ليس أكثر غرابة من الواقع، فربما لا تكمن الطرافة في أن وائل نوار يرتدي شخصيات الـAnime، بل في أن الرجل الذي ظل يرتديها طوال سنوات وجد نفسه أخيرًا يعيش، في الواقع، قصة لا تقل غرابة عن القصص التي كانت مطبوعة على صدره.
من الحركة التلمذية إلى اتحاد الطلبة، ومن حزب العمال إلى فلسطين، ومن المقاطعة إلى أساطيل الحرية، ومن البحر إلى السجن، ظل هناك خيط واحد يربط كل هذه المحطات: الاستمرار في الطريق، حتى عندما يصبح الطريق حبلًا مشدودًا فوق حقل من الألغام.
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين



شارك رأيك