الاختلاف مع سلوى الشرفي لا يبرر إسكاتها
  • بقلم فاهم بوكدوس*
    على إثر التدوينة التي نشرتها الأستاذة سلوى الشرفي، انقسم الرأي العام بين من اعتبر ما كتبته ممارسة مشروعة لحرية التعبير وحقًا في إبداء الرأي، وبين من رأى فيها إساءة إلى شخصية دينية تحظى بمكانة خاصة لدى المسلمين. وإزاء هذا الجدل، يبدو من الضروري إعادة النقاش إلى أرضيته الصحيحة، بعيدًا عن الانفعال والاستقطاب، لأن المجتمعات الديمقراطية لا تُبنى على إسكات الأصوات المختلفة، وإنما على إدارة الاختلاف بالحوار.

لقد انطلق منتقدو الأستاذة سلوى الشرفي من جملة من الاعتبارات، أهمها أن بعض الشخصيات الدينية تمثل رموزًا مقدسة لدى شريحة واسعة من المجتمع، وأن تناولها بطريقة يعتبرها الناس ساخرة أو مستفزة من شأنه أن يثير الاحتقان ويمس بالسلم الاجتماعي. كما رأى بعضهم أن حرية التعبير ليست حقًا مطلقًا، وإنما تقف عند حدود احترام معتقدات الآخرين وعدم استفزازهم.

وهذه الاعتبارات تستحق النقاش، لأنها تعكس حرصًا مشروعًا على التماسك الاجتماعي واحترام مشاعر المؤمنين. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الاعتبارات إلى مبرر لمنع التعبير أو المطالبة بمعاقبة كل رأي يخالف التصور السائد. فالمشاعر، مهما كانت جديرة بالاحترام، لا يمكن أن تكون المعيار الوحيد لتحديد ما يجوز وما لا يجوز قوله، لأن المشاعر تختلف من شخص إلى آخر، ولو جعلناها أساسًا لتقييد التعبير لما بقي مجال لنقاش أي قضية دينية أو تاريخية أو فكرية.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن حق الأستاذة سلوى الشرفي في التعبير عن رأيها لا يعني بالضرورة تبني مضمون ذلك الرأي أو الاتفاق معه، فالدفاع هنا ينصب على المبدأ، لا على الفكرة، فمن حق أي شخص أن يعترض على ما كتبته، وأن يرد عليه بالحجج التاريخية أو الدينية أو الأخلاقية، لكن ليس من حقه أن يحول الخلاف الفكري إلى دعوة لإسكات صاحبة الرأي أو تجريمها أو التشكيك في نواياها.

كما برز في النقاش خطاب يميز بين “النقد العلمي” و”الإساءة”، وهو تمييز وجيه في أصله، لأن البحث العلمي يقتضي الأمانة والمنهجية وعدم الانتقائية، غير أن هذا التمييز لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار للحقيقة، بحيث يصبح كل رأي مخالف خارجًا عن دائرة البحث العلمي بمجرد أنه لا ينسجم مع قناعات الأغلبية. فالتاريخ ظل، وسيظل، مجالًا للنقاش وإعادة القراءة والمراجعة، ولا يمكن أن يخضع لمنطق التحريم الفكري.

ومن جهة أخرى، فإن بعض الردود على الأستاذة سلوى الشرفي تجاوزت مناقشة مضمون ما كتبته إلى إطلاق أوصاف وأحكام على الأشخاص، والحديث عن سوء النية أو الهدم أو الفراغ المعرفي، وهذا النوع من الخطاب لا يثري النقاش، لأنه يستبدل الحجة بالحكم الأخلاقي، ويجعل الاختلاف الفكري خصومة شخصية، فالرد على الفكرة يكون بتفنيدها، لا بالطعن في صاحبها.

إن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني إباحة الإساءة، كما أن احترام المقدسات لا يعني تحصينها من كل نقاش أو مساءلة تاريخية، فالفضاء العام يتسع للمؤمن الذي يدافع عن رموزه، كما يتسع للباحث أو المفكر الذي يقدم قراءة مغايرة، بشرط أن يلتزم الجميع بأدب الحوار وأن تكون مواجهة الأفكار بالأفكار.

ولعل القضية الأهم التي كشفتها هذه الواقعة هي أننا ما زلنا نخلط بين حق الإنسان في أن يتكلم وحق الآخرين في أن يوافقوه. فليس كل رأي صادم رأيًا محظورًا، وليس كل رأي مخالف اعتداءً على المجتمع. إن الحرية تكتسب معناها الحقيقي عندما نحمي حق الآخرين في التعبير، حتى عندما لا يعجبنا ما يقولون، لأن تقييد هذا الحق اليوم بحق خصومنا قد يصبح غدًا وسيلة لتقييد حقنا نحن في التعبير عن آرائنا.

واجمالا فإن المجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الكلمة، وإنما يواجهها بكلمة أقوى، ولا يخاف النقاش، وإنما يثريه بالحجة والمعرفة. أما اللجوء إلى التخوين أو المطالبة بإسكات الأصوات المختلفة، فلا يحسم الأفكار، بل يؤجل النقاش ويعمق الانقسام، لذلك يبقى الدفاع عن حق الأستاذة سلوى الشرفي في التعبير عن رأيها دفاعًا عن حق الجميع في الاختلاف، لا دفاعًا عن رأي بعينه.

*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي بالنقابة الوطنية للصحفيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.