قبل سنوات، كان الحديث عن “مراكز التبريد” أو Climate Refuges يبدو أقرب إلى الخيال لكن اليوم، فقد أصبح جزءا من خطط التكيف مع التغيرات المناخية في عدد متزايد من المدن حول العالم و الفكرة هنا بسيطة فضاءات عمومية مكيفة وآمنة، تفتح أبوابها خلال موجات الحر أو البرد الشديد، وتستقبل كبار السن، الأطفال، المرضى، والناس اللي ما عندهمش وسائل تبريد أو تدفئة كافية. في برشلونة مثلا، تم إدراج مئات الفضاءات ضمن شبكة “الملاجئ المناخية”، تشمل مكتبات، مدارس، مراكز ثقافية وحتى بعض الأسواق المغطاة، وين ينجم أي مواطن يلقى مكان يحميه من درجات الحرارة القصوى.
لكن في الحقيقة، مفهوم الملاجئ المناخية أوسع بكثير من مجرد قاعة فيها مكيف هو جزء من رؤية جديدة اسمها Climate Resilient Cities أو المدن القادرة على الصمود. يعني المدينة تولي تهيئ فضاءاتها العمومية أو تحدث بعض المناطق باش تحمي سكانها من الظواهر المناخية المتطرفة، سواء كانت موجات حر، برد، حرائق، تلوث هوائي أو حتى فيضانات ، اليوم نشوفوا في الاخبار بالتزامن مع موجات الحر الي تضرب في أوروبا مدن كيف باريس تفتح “غرف باردة” أثناء موجات الحر، وكندا تعتمد Cooling Centres في أغلب المدن الكبرى، والولايات المتحدة تنشر خرائط رقمية للمراكز المفتوحة خلال الأزمات الحرارية، بينما أستراليا تدمج هذه الملاجئ ضمن خطط إدارة الكوارث المحلية.
ومع تزايد عدد الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 45 و46 درجة في بعض المناطق، قد يصبح هذا النوع من البنية التحتية ضرورة وليس رفاهية وربما بعد سنوات، سيكون وجود “ملجأ مناخي” في كل حي بنفس أهمية وجود مركز صحة أو مركز حماية مدنية خاصة مع التوقعات التي تشير إلى أن موجات الحر ستكون أطول وأكثر تكرارا خلال العقود القادمة.
في منطقتنا العربية، لا يزال المفهوم في بداياته، رغم أن الحاجة إليه قد تكون أكبر من مناطق أخرى نظرا لطبيعة المناخ عندنا ، إلى حد الآن لا توجد شبكات وطنية واضحة للملاجئ المناخية في أغلب الدول العربية، لكن توجد مبادرات متفرقة مثل فتح بعض المساجد أو القاعات البلدية أو المراكز الاجتماعية خلال الظروف الجوية القاسية او حتى مبادرة البعض للدخول للمغازات خلال فترات الذروة بحثا عن الهواء البارد ، ويمكن مستقبلا تطوير الفكرة لتشمل المدارس، دور الشباب، المكتبات، دور الثقافة، محطات النقل الكبرى، وحتى المراكز التجارية و المحلات التجارية ، مع ضمان توفر الماء، التكييف، الإسعافات الأولية، وإمكانية استقبال الفئات الأكثر هشاشة.
وربما لا يقتصر الأمر مستقبلا على “ملجأ مناخي” فقط، بل سنبدأ نسمع أكثر عن مفاهيم جديدة مثل Climate Shelters، وCooling Corridors (ممرات حضرية باردة تعتمد على الأشجار والظل)، وHeat Action Plans، وBlue-Green Infrastructure التي تستعمل المياه والمساحات الخضراء لتخفيض حرارة المدن، إضافة إلى Climate Safe Zones داخل الأحياء السكنية هاذي مفاهيم بدات كخيال علمي منذ سنوات و توى اصبحت مفاهيم حقيقية .
قد يبدو الحديث اليوم مبالغا فيه للبعض، مثلما كان الحديث قبل سنوات عن القباب الحرارية أو الهجرة المناخية ، لكن إذا واصل العالم تسجيل درجات حرارة قياسية بهذا النسق، فمن غير المستبعد أن تصبح الملاجئ المناخية خلال العقدين القادمين بندا ثابتا على طاولة المجالس البلدية ووزارات البيئة والصحة والداخلية، تماما كما أصبحت خطط الحماية من الفيضانات أو الحرائق جزءا أساسيا من التخطيط الحضري. أحيانا، ما نعتبره اليوم فكرة بعيدة، يتحول مع تغير المناخ إلى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
*حمدي حشاد



شارك رأيك