«عقم قاتل» لسناء خلف الله الجويني : رواية تضع الأحكام الاجتماعية تحت المجهر

صدرت عن دار «نحن للإبداع والنشر والتوزيع» (2026) رواية «عقم قاتل» للكاتبة التونسية سناء خلف الله الجويني، وهي عمل روائي مستوحى من وقائع حقيقية، يتناول مجموعة من القضايا الاجتماعية المرتبطة بنظرة المجتمع إلى المرأة، وبالضغوط التي تفرضها تصورات راسخة حول الزواج والإنجاب وصورة الجسد.

 جمال قتّالة

تدور الرواية حول أمينة، امرأة مستقلة مادياً تدير مشروعها الخاص، لكنها تجد نفسها في مواجهة أحكام اجتماعية متراكمة لا تستند إلى معطيات دقيقة بقدر ما تستند إلى نظرة مسبقة. ومن خلال هذا المسار، تطرح الكاتبة أسئلة تتجاوز الحكاية الفردية لتلامس بنية أوسع تتعلق بالوصم الاجتماعي وبالعلاقة بين الحقيقة وما يُبنى عنها داخل الوعي الجمعي.

لا تعتمد سناء خلف الله الجويني على عنصر التشويق وحده لدفع الأحداث، بل تبني نصها على فكرة مركزية تقوم على زعزعة اليقين لدى القارئ. فالنص يبدأ من مساحة تبدو واضحة ومباشرة، قبل أن يكشف تدريجياً أن ما يبدو حقيقة اجتماعية قد لا يكون سوى نتيجة لتراكم الأحكام المسبقة وإعادة إنتاجها داخل المجتمع.

صورة نمطية تسبق الحقيقة وتؤثر فيها

ولا تقتصر الرواية على تناول الوصمة المرتبطة بالعقم فحسب، بل تكشف أيضاً عن الدور المحوري الذي يلعبه التنمّر الاجتماعي في صناعة هذه الوصمة أصلاً. فقبل أن تواجه أمينة الأحكام المرتبطة بالإنجاب، تجد نفسها محاصرة بسلسلة يومية من التعليقات والملاحظات والنظرات التي تستهدف مظهرها الجسدي ووضعها الاجتماعي. ومن هذا المناخ الضاغط تتشكل تدريجياً صورة نمطية تسبق الحقيقة وتؤثر فيها. وبهذا المعنى، لا يبدو التنمّر مجرد عنصر ثانوي، بل أحد المحركات الأساسية للأحداث، إذ يقود الشخصية إلى إعادة تعريف ذاتها تحت ضغط مستمر، ويحوّل الحكم الاجتماعي إلى عبء نفسي دائم. أما وصمة العقم فتظهر بوصفها نتيجة لاحقة لهذا المسار، فيما تحضر السمنة كأحد العوامل التي تغذي نظرة المجتمع وتضاعف من حدة الإقصاء الذي تعانيه البطلة.

في هذا الإطار، لا يُقدَّم الجسد بوصفه معطى فردياً محايداً، بل يتحول إلى مساحة للتأويل الاجتماعي المسبق. فالسمنة لا تُقرأ كخاصية جسدية فقط، بل كعلامة تُسقط عليها تصورات جاهزة تتجاوز الفرد إلى الحكم على قدراته وحياته الخاصة، بما في ذلك ملف الإنجاب. وعند ظهور المعطى الطبي، لا تنهار هذه المنظومة التأويلية بقدر ما تستمر في الاشتغال داخل وعي اجتماعي يرفض أحياناً الاعتراف بما يخالف قناعاته المسبقة.

مسافة تأملية تسمح بتعدد التأويلات

على المستوى الفني، تعتمد الكاتبة لغة مباشرة وسرداً واضحاً يقوم على تسلسل الأحداث والحوار، وهو ما يمنح النص قابلية عالية للقراءة ويجعله قريباً من القارئ. غير أن هذا الخيار الأسلوبي، رغم فعاليته، يحد أحياناً من المسافة التأملية التي تسمح بتعدد التأويلات، ويقلل من تعقيد بعض الشخصيات التي تظل مرتبطة بوظائفها الاجتماعية أكثر من كونها كيانات نفسية مكتملة.

ومع ذلك، تنجح الرواية في طرح سؤال جوهري يتجاوز الحكاية نفسها: كيف تتحول الأحكام المسبقة إلى واقع اجتماعي يُفرض على الأفراد قبل أن تُتاح لهم فرصة الدفاع عن حقيقتهم؟ وكيف يمكن للتكرار اليومي للوصم أن يصنع “حقيقة بديلة” تتقدم أحياناً على الوقائع نفسها؟

في المحصلة، تقدم «عقم قاتل» نصاً اجتماعياً يشتغل على تفكيك منظومة الأحكام المسبقة أكثر مما يكتفي بسرد معاناة فردية. وتكمن أهميته في قدرته على تحويل تجربة شخصية إلى مدخل لفهم أوسع لآليات تشكل الصورة الاجتماعية داخل مجتمع يُنتج أحكامه بسرعة تفوق قدرته على التحقق من الوقائع.

سيتم تنظيم حفل توقيع ومناقشة للرواية يوم 29.06.2026 : المركز الاجتماعي فونتانيو (Centre Social Fontainieu) – 40/42 Chemin de Fontainieu 13014 Marseille – France.

شارك رأيك

Your email address will not be published.