إنصافًا للتاريخ : يبقى الحبيب بورقيبة زعيمًا رغم اختلاف الآراء

يثير اسم الحبيب بورقيبة، بعد عقود من الاستقلال، نقاشًا لا ينتهي. فمن الناس من يراه مؤسس الدولة التونسية الحديثة، ومنهم من يرفض حتى وصفه بالزعيم، بل يذهب بعضهم إلى اعتباره “صنيعة فرنسية”. وبين التمجيد المطلق والرفض المطلق، تضيع الحقيقة التاريخية.

               العقيد محسن بن عيسى *

إن وصف بورقيبة بالزعيم ليس حُكمًا أخلاقيًا، ولا شهادة بِعِصمته من الخطأ، وإنما توصيف لدوره التاريخي. فالزعامة في علم التاريخ والسياسة تقاس بحجم التأثير في مسار الأمة، والقدرة على قيادة مرحلة مفصلية، وترك مؤسسات باقية بعد رحيل صاحبها.

يمكن أن نختلف مع بورقيبة في خياراته السياسية، وأن ننتقد نظام الحزب الواحد، والتضييق على المعارضة، وتركيز السلطة. وهذه انتقادات مشروعة، بل وضرورية لفهم التاريخ. لكن هل يبرر ذلك إنكار دوره في قيادة معركة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية؟ إن الإجابة الموضوعية هي: لا.

لقد قادت دولة الاستقلال، في عهده، مشروعًا واسعًا لبناء المؤسسات: إدارة وطنية، ومدرسة عمومية فتحت أبوابها لأبناء مختلف الجهات، وجامعة تونسية، ومنظومة صحة عمومية، وإصلاحات اجتماعية غيرت وجه المجتمع. وقد استفاد من هذه المؤسسات ملايين التونسيين، ومن بينهم كثير من المثقفين الذين ينتقدون بورقيبة اليوم.

الاعتراف بالمنجزات كما بالأخطاء

ولا تناقض في ذلك. فمن حق أي مواطن أن ينتقد شخصية تاريخية، حتى لو استفاد من السياسات التي أُقرت في عهدها. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالمنجزات كما يقتضي الاعتراف بالأخطاء. أما إنكار كل ما تحقق، أو اختزال تجربة كاملة في شعار مثل “كان صنيعة فرنسية”، فهو يحتاج إلى أدلة تاريخية قوية، لا إلى مواقف أيديولوجية.

وفي المقابل، فإن الاعتراف بمكانة بورقيبة لا يعني الانتقاص من رموز الحركة الوطنية الآخرين. ففرحات حشاد، والهادي شاكر، وغيرهما، قدموا تضحيات جسامًا، وبعضهم دفع حياته ثمنًا لنضاله. وقد ساهموا جميعًا، كل من موقعه، في مسيرة التحرر الوطني. وليس من العدل أن يُمحى أحدهم لإبراز الآخر.

إن الأمم الراسخة لا تبني ذاكرتها على عبادة الأشخاص، ولا على هدمهم، وإنما على قراءة نقدية منصفة، تعترف بالإنجاز كما تعترف بالإخفاق. فالتاريخ ليس محكمة لإصدار الأحكام النهائية، بل مدرسة لفهم الماضي واستخلاص العبر.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: “هل كان بورقيبة زعيمًا أم لا؟” بل: “هل نستطيع أن نقرأ تاريخنا بعيدًا عن الأهواء والانقسامات؟”

إنصاف التاريخ لا يكون بالتمجيد الأعمى، ولا بالتشويه المتعمد، وإنما بالاحتكام إلى الوقائع. وإذا كان من حق الأجيال الجديدة أن تناقش إرث الحبيب بورقيبة، فإن من واجبها أيضًا ألا تنكر حقيقة يصعب تجاوزها: لقد كان أحد أبرز صناع تاريخ تونس الحديث، وستظل مكانته محل دراسة ونقاش، لا محل محو أو إنكار.

*متقاعد من سلك الحرس الوطني- مسار دكتوراه – ماجستير في العلوم السياسية.

                                              

شارك رأيك

Your email address will not be published.