النائب العابد: “عندما تُمنع الرقابة… يتسع الفراغ وتضيع الحقيقة” (وثيقة)

*بقلم النائب في البرلمان ثابت العابد

ما حدث حول سجن المسعدين لم يكن مجرد جدل حول خبر متداول، بل كشف خللًا أعمق يتعلق بغياب الرقابة والشفافية.

ففي ظل موجة حر استثنائية عاشتها البلاد، وما رافقها من اكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وتحركات الإسعاف، كان من الطبيعي أن ترتفع التساؤلات وأن يبحث الجميع عن الحقيقة. وعندما لا تُقدم المعلومة الكاملة في الوقت المناسب، يبقى المجال مفتوحًا لتعدد الروايات والتأويلات.

منذ 29 أفريل 2026 قررت لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب القيام بسلسلة من الزيارات الميدانية إلى عدد من المؤسسات السجنية ومراكز الإصلاح والإيقاف، ومن بينها السجن المدني بالمسعدين، لمتابعة أوضاع السجون وظروف الاحتفاظ والاطلاع المباشر على واقعها.

وبتاريخ 5 ماي 2026 وجهت، بصفتي رئيس اللجنة، مراسلة إلى رئيس مجلس نواب الشعب لطلب الإذن، لكن المراسلة لم تُحال أصلًا إلى وزارة العدل.

لم تُرفض… بل حُجبت.

وهذا ليس حادثًا معزولًا، بل يأتي في سياق متواصل من تعطيل أعمال لجنة الحقوق والحريات: تعطيل الزيارات الميدانية، وعدم تمكين اللجنة من جلسات الاستماع الضرورية، وحرمانها من النظر في مشاريع قوانين تدخل في صميم اختصاصها، بل وحتى محاولة تعديل النظام الداخلي بما يؤدي عمليًا إلى إلغاء لجنة الحقوق والحريات، وهي المحاولة التي تمت مواجهتها داخل المجلس.

إن الرقابة البرلمانية ليست امتيازًا للنواب، وليست موقفًا ضد مؤسسات الدولة، بل هي حق للمواطنين ووسيلة دستورية لحماية مؤسسات الدولة نفسها، وتعزيز الثقة فيها، وتوفير المعلومة الدقيقة للرأي العام.
ولو أُنجزت الزيارات التي قررتها اللجنة في وقتها، ولو احترمت الآليات الرقابية، لكان بالإمكان تقديم معطيات ميدانية موثوقة تسهم في طمأنة المواطنين وعائلات السجناء، بدل تركهم أمام الغموض والتضارب.

إن الدولة القوية لا تُضعف الرقابة، ولا تخشى الحقيقة، ولا تحجب المؤسسات الدستورية عن أداء دورها.

فالرقابة لا تصنع الأزمات… بل تمنعها.
والحقيقة لا تضيع إلا عندما يُمنع الوصول إليها”.

*ثابت العابد رئيس لجنة الحقوق والحريات بالبرلمان التونسي

شارك رأيك

Your email address will not be published.