موجة الحر وسجن المسعدين: بين الجاهزية الصحية وتحدي إدارة الاتصال في مواجهة الشائعات

بقلم فاهم بوكدوس
تعيش تونس خلال الأيام الأخيرة على وقع موجة حر شديدة شملت أغلب جهات البلاد، ترافقت مع انقطاعات واسعة ومتكررة للتيار الكهربائي، إلى جانب اضطرابات وانقطاعات متكررة في التزود بالمياه. وقد فرضت هذه الظروف الاستثنائية تحديات إضافية على مختلف المرافق العمومية، بما في ذلك المؤسسات الصحية والمؤسسات السجنية، خاصة مع تسجيل درجات حرارة مرتفعة في عدد من الولايات.

وفي مثل هذه الظروف، تبرز نظريًا مخاطر صحية قد تطال مختلف الفضاءات المغلقة، بما فيها المؤسسات السجنية، ولا سيما إذا تزامنت الحرارة المرتفعة مع الاكتظاظ وضعف التهوية. ويظل خطر الإصابة بالإجهاد الحراري أو بضربة شمس قائمًا، وهو ما قد يستوجب، بحسب تطور الأوضاع، تفعيل إجراءات احترازية وخطط طوارئ صحية لضمان سلامة النزلاء والإطار العامل.

ومن الطبيعي في فترات موجات الحر القصوى أن ترفع المؤسسات الصحية درجة جاهزيتها، سواء عبر إعلان حالة تأهب داخل المستشفيات أو عبر تعزيز وسائل التدخل الميداني وإرسال سيارات إسعاف وفرق طبية وتجهيزات إضافية إلى أماكن قد تستوجب ذلك، بما فيها المؤسسات السجنية. فمثل هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة وقوع حادث جسيم، بل قد تندرج ضمن التدابير الوقائية والاستباقية التي تعتمدها الهياكل المختصة للتعامل مع أي طارئ محتمل.

كما أن اتخاذ إجراءات احترازية داخل السجون، مثل تعزيز المتابعة الصحية، وتوفير المياه أو الثلج أو وسائل التبريد المتاحة، يمثل جزء من الاستعداد للتعامل مع تداعيات موجات الحر. غير أن ذلك لا ينفي نظريًا إمكانية حدوث صعوبات ظرفية مرتبطة بضغط الاستهلاك أو بانقطاعات الكهرباء أو المياه، وهو ما يفرض جاهزية مستمرة وخطط تدخل واضحة.

وقد ساهمت طبيعة الظرف المناخي الاستثنائي، وما رافقه من حديث عن تدخلات صحية وتعزيز لوسائل الإسعاف، في أن تشكل هذه المعطيات الأولية نقطة انطلاق لسلسلة من الأخبار والتأويلات التي انتشرت لاحقًا على شبكات التواصل الاجتماعي. فمجرد تداول أخبار عن تحركات طبية أو لوجستية داخل محيط مؤسسة سجنية، في ظل موجة حر وانقطاعات للكهرباء والمياه، كان كافيًا لإثارة القلق وفتح الباب أمام روايات متعددة، خاصة في ظل غياب توضيحات رسمية فورية تشرح طبيعة هذه التدخلات وأسبابها.

كما أن تركّز التداول حول مؤسسة سجنية بعينها، وهي سجن المسعدين، دون غيره من المؤسسات السجنية، عزز لدى جزء من الرأي العام الانطباع بوجود وضع استثنائي أو حادث محدد مرتبط بهذه المؤسسة. وهذا لا يعني بالضرورة صحة كل ما تم تداوله، لكنه يطرح سؤالًا حول أهمية تقديم المعطيات الأساسية للرأي العام في مثل هذه الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات مغلقة يصعب على العائلات أو المواطنين التثبت المباشر من أوضاعها.

وفي ظل سرعة انتشار الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يصبح أي فراغ معلوماتي أرضية خصبة للإشاعات والتأويلات. فالمعلومة غير المؤكدة تنتشر غالبًا بسرعة أكبر من المعلومة الرسمية، وقد تتحول صورة أو تسجيل أو شهادة جزئية إلى رواية متكاملة يصعب تصحيحها لاحقًا. وتزداد هذه الظاهرة في سياق عام يتسم بتراجع الثقة في المؤسسات، وانغلاق المشهد العمومي، وضعف الاتصال الحكومي، وهي عوامل تجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيدًا، لأن غياب التواصل لا يترك فراغًا محايدًا، بل يملؤه غالبًا خطاب غير موثق.

وقد سبق أن أشار عدد من الباحثين في الميديا إلى أن الأزمات لا تُنتج فقط بفعل الحدث نفسه، وإنما أيضًا بفعل الطريقة التي يتم بها التواصل حوله. فحين تغيب المعلومة الرسمية أو تتأخر، ينشأ فراغ معلوماتي سرعان ما تملؤه مصادر غير موثوقة، خاصة في بيئة تواصلية أصبحت فيها شبكات التواصل الاجتماعي مصدرًا أساسيًا لاستقاء الأخبار بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين.

وفي مثل هذه السياقات، لا تكفي مواجهة الأخبار الزائفة بعد انتشارها، بل تصبح الحاجة قائمة إلى استراتيجية اتصال استباقية تقوم على الشفافية وتوفير المعلومة في الوقت المناسب. فاختيار الصمت أو الاكتفاء ببيانات مقتضبة قد يترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات، بينما يسمح التواصل المنتظم والواضح بتقليص مساحة الإشاعة وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

وتزداد أهمية هذا الأمر عندما يتعلق الوضع بفئات أو أماكن حساسة، مثل المؤسسات السجنية، حيث لا يرتبط الأمر فقط بحق الرأي العام في المعلومة، بل أيضًا بقلق العائلات وحقها في الاطمئنان على ذويها. ففي مثل هذه الظروف، فإن توجه عائلات السجناء أو المواطنين إلى المؤسسات السجنية أو المستشفيات بحثًا عن معلومات أو للاطمئنان على أقاربهم يبقى رد فعل إنسانيًا مفهومًا وطبيعيًا، خاصة عندما تكون المعطيات متضاربة أو غير مكتملة.

وفي أول رد رسمي على ما تم تداوله بشأن الوضع في سجن المسعدين، نفت الهيئة العامة للسجون والإصلاح تسجيل حريق أو حالات اختناق أو وفيات داخل المؤسسة، مؤكدة اعتماد منظومة للوقاية من المخاطر وتوفير الاحتياطات اللازمة لمواجهة انقطاعات محتملة في الكهرباء أو المياه.

غير أن هذا البلاغ، رغم أهميته باعتباره أول توضيح رسمي، لم يكن كافيًا بالنسبة إلى بعض المتابعين لإنهاء حالة القلق أو تقديم صورة كاملة عن الوضع، باعتبار أنه ركز أساسًا على نفي سيناريوهات محددة تم تداولها، مثل الحريق أو الاختناق أو الوفيات، دون تقديم معطيات إضافية حول الوضع الصحي العام داخل المؤسسة أو طبيعة التدخلات التي قد تكون تمت.

ففي مثل هذه الظروف، قد يبقى جزء من الرأي العام في حاجة إلى توضيحات أوسع حول ما إذا كانت هناك تدخلات صحية مرتبطة بالظروف المناخية، مثل حالات الإجهاد الحراري أو ضربات الشمس، وهي فرضيات تختلف عن الأخبار التي تم نفيها ولا تتناقض معها بالضرورة. ومن هنا تبرز أهمية أن يتجاوز الاتصال الرسمي منطق تفنيد الخبر الخاطئ فقط، إلى تقديم صورة شاملة عن الوضع والإجراءات الوقائية المتخذة، بما يمنع بقاء مساحات الغموض التي قد تغذي التأويلات.

كما أن من بين أدوات بناء الثقة والتحقق من المعطيات، تبرز أهمية تمكين وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية من زيارة المؤسسات السجنية، خاصة في فترات الأزمات أو عند انتشار أخبار متضاربة. فالحضور الميداني للصحفيين والجهات المستقلة لا يمثل فقط آلية للرقابة، بل يعد أيضًا أحد أكثر أدوات إنتاج المعلومة مصداقية، لأنه يسمح بالاطلاع المباشر على الأوضاع ونقل صورة أقرب إلى الواقع للرأي العام, انه امر يتعلق بإيجاد آليات منظمة للنفاذ والمراقبة تساهم في تعزيز الشفافية، وتقلل من مساحة الشائعات، وتمنح البلاغات الرسمية مصداقية أكبر عندما تكون مدعومة بإمكانية التثبت المستقل. ففي الأزمات، لا يكفي أن تؤكد المؤسسات أن الوضع تحت السيطرة، بل من المهم أيضًا توفير إمكانية التحقق من ذلك عبر أطراف تتمتع بثقة جزء من الرأي العام.

إن إدارة الأزمات الحديثة تقوم على التوازي بين التدخل الميداني وإدارة الاتصال. فإلى جانب توفير التجهيزات والموارد البشرية، تحتاج المؤسسات المعنية إلى آلية اتصال للطوارئ تعمل بشكل استباقي، تتولى تقديم المعلومات الدقيقة، وتفسير الإجراءات المتخذة، والرد على التساؤلات المتداولة، والتنسيق بين مختلف الهياكل المعنية، بما فيها الإدارة العامة للسجون والإصلاح ووزارة الصحة.

فالتواصل في أوقات الأزمات ليس مجرد جانب إعلامي ثانوي، بل هو جزء من منظومة الحماية نفسها. فالمعلومة السريعة والواضحة تقلل من مساحة الإشاعة، وتطمئن العائلات، وتحافظ على الثقة في المؤسسات. أما غياب الاتصال أو تأخره، فقد يجعل المؤسسات تجد نفسها في موقع الرد على الأخبار الزائفة بدل قيادة المشهد وتوجيهه.

وفي زمن الأزمات، لا تُقاس قدرة المؤسسات فقط بمدى جاهزيتها للتدخل على الميدان، بل أيضًا بقدرتها على تفسير ما يحدث للمواطنين، وإدارة تدفق المعلومات، ومنع الفراغ الاتصالي من التحول إلى أزمة موازية. فإدارة المعلومة أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من إدارة الحدث نفسه.

*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.